لكل مدينة ذاكرة لا نراها، ولكل شارع حكايات لا نعرفها، وخلف واجهات المباني القديمة تختبئ قصص أناس عاشوا هنا، وأحداث مرت، وتفاصيل صنعت هوية المكان. لكن هذه الذاكرة تتلاشى تدريجيا مع رحيل الأجيال وتغير ملامح المدن، حتى نجد أنفسنا نسير في شوارع نعرف أسماءها، لكننا نجهل تاريخها وما شهدته من حياة.
طوال ما يقارب ثلاثة عقود، اعتدنا أن نبدأ رحلتنا نحو المعرفة من مستطيل صغير نكتب فيه ما نريد، ثم نضغط زر البحث، لنجد أمامنا قائمة من الروابط التي يفترض أن تقودنا إلى الإجابة. كانت تلك الطريقة واحدة من أعظم التحولات التي شهدها تاريخ الإنترنت، حتى أصبح البحث فعلا يوميا نمارسه دون تفكير. لكنني أعتقد أننا نعيش اليوم بداية النهاية لهذا النموذج الذي رافقنا منذ تسعينيات القرن الماضي، ليس لأننا لم نعد بحاجة إلى المعلومات، بل لأننا لم نعد نريد البحث عنها بالطريقة نفسها.
ثمة حروب لا تبدأ بإعلان رسمي، ولا تحتاج إلى أن تتحرك الجيوش أو تعبر الطائرات الحدود حتى نشعر باقترابها. يكفي أن تتصاعد التصريحات، وتتلاحق التهديدات، وتتحول نشرات الأخبار إلى عد تنازلي لمواجهة محتملة، حتى يصبح العالم بأسره أسير حرب لم تبدأ بعد. وربما كانت هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في عالمنا المعاصر،
لم يعد الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى ممارسي التواصل المؤسسي والعلاقات العامة مجرد أداة تقنية إضافية، بل أصبح عاملاً يعيد تشكيل طبيعة المهنة نفسها. فالممارس الذي كان يُقاس أداؤه بقدرته على صياغة الرسائل، وبناء العلاقات، وإدارة السمعة، بات مطالباً اليوم أيضاً بفهم أدوات التوليد والتحليل والأتمتة، وبالتمييز بين ما يسرّع العمل وما يهدد مصداقيته. ولهذا تبدو المعادلة الجديدة في قطاع التواصل واضحة: كلما اتسعت فرص الابتكار، تعاظمت في المقابل مسؤولية ضبط الموثوقية والشفافية والحوكمة. وتشير تقارير مهنية حديثة إلى أن مشهد الاتصال في 2025 و2026 يتشكل تحت ضغط مزدوج: أزمة ثقة أوسع في البيئة العامة، وتسارع كبير في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.
ثمة مفارقة في عالم الإدارة الحديثة، فكلما تطورت أدوات التخطيط الاستراتيجي، وتعددت النماذج التحليلية ومؤشرات الأداء، ابتعد بعض القادة عن ممارسة دورهم الحقيقي في صناعة الاستراتيجية. أصبحت المؤسسات تمتلك خططا أكثر تفصيلا، ولوحات قياس أكثر تعقيدا، لكنها لا تمتلك بالضرورة إجابات واضحة عن الأسئلة التي تحدد مستقبلها. ماذا نريد أن نكون؟ ولماذا نوجد؟ وما القيمة التي نقدمها ولا يستطيع الآخرون تقديمها بالطريقة نفسها؟
أحيانا لا تحتاج الفكرة العظيمة إلى مختبر ابتكار، أو ميزانية ضخمة، أو فريق من الخبراء يقضي أشهرا في دراسة الأسواق وسلوك المستهلكين. قد تولد الفكرة خلف طاولة إعداد القهوة، وتبدأ بملاحظة بسيطة، ثم تجد طريقها إلى ملايين الناس لأن صاحبها امتلك الشجاعة لمشاركتها مع الآخرين. وهذا بالضبط ما حدث مع الفتاة السعودية رويدة الغرير، المعروفة باسم «ريري»، التي تحولت طريقتها الخاصة في تناول إحدى حلويات دانكن إلى منتج رسمي يحمل اسمها.
ثمة كتب تقرؤها لتتعلم منها، وكتب تقرؤها لتستمتع بلغتها، وأخرى تعود إليها لما تتركه في نفسك من أثر. لكن الكتب التي تجمع هذه الخصال جميعا ليست كثيرة، ومن بينها كتاب «الداء والدواء» المعروف أيضا باسم «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» للإمام ابن قيم الجوزية، أحد أعلام الفكر الإسلامي في القرن الثامن الهجري، الذي استطاع أن يقدم نموذجا بديعا لما يمكن أن تكون عليه الكتابة في العلوم الشرعية، عندما تجتمع المعرفة العميقة مع البيان الرفيع، والاستدلال العقلي مع القصص المؤثرة، وتتحول الأحكام والمواعظ من نصوص تقريرية إلى خطاب حي يخاطب العقل والوجدان معا.
تخيل أن فكرة خطرت ببالك ذات مساء، ثم نسيتها مع انشغالات الحياة، كانت كفيلة بتغيير حياة شخص، أو تأسيس مشروع ناجح، أو تقديم حل لمشكلة طال انتظارها. كم من الأفكار التي لم تر النور، ليس لأنها تفتقر إلى القيمة، بل لأن أصحابها لم يجدوا الوقت أو الإمكانات لتنفيذها؟ وكم من الفرص التي ربما أضعناها لأننا اعتقدنا أن من يفكر في الفكرة يجب أن يكون هو من يحققها؟
من بين عشرات الإعلانات والأعمال الإبداعية التي تتسابق المؤسسات على تقديمها في المناسبات الوطنية، تستوقفني أحيانا أعمال لا تعتمد على ضخامة الإنتاج وحدها، وإنما على قدرتها على اختزال فكرة كبيرة في رسالة بسيطة، ثم تحويل تلك الرسالة إلى تجربة شعورية تبقى في ذاكرة المتلقي. وهذا ما وجدته في الفيديو الترويجي الذي قدمته حديقة الملك سلمان بعنوان «موطن حي في وطن حي»، بالتزامن مع اليوم الوطني السعودي، والذي أراه واحدا من الأعمال التي تستحق التأمل من زاوية التسويق والاتصال المؤسسي وصناعة الصورة الذهنية.