أقترح إطلاق مشروع وطني لإعادة النظر في تسمية الأحياء السكنية، يقوم على مبدأ بسيط: أن تحمل أحياء كل مدينة أسماء تنتمي إليها، وتعبر عن تاريخها وجغرافيتها ولهجتها وثقافتها وشخصياتها وأحداثها المؤثرة. فالأسماء ليست مجرد عناوين بريدية أو إحداثيات على الخرائط، بل جزء من الهوية الثقافية للمكان، ووسيلة لحفظ الذاكرة المحلية ونقلها بين الأجيال.
في جدة، يمكن أن تستلهم أسماء الأحياء الجديدة من تاريخ المدينة البحري، ومفردات الملاحة والتجارة، وعمارتها الحجازية، وأعلامها، وموروثها الاجتماعي. وفي الأحساء، من عيونها ونخيلها وقراها التاريخية وحرفها التقليدية. وفي أبها، من طبيعة عسير وثقافتها ومفرداتها المحلية. أما الرياض، فلديها من تاريخ اليمامة ونجد ومواضعها القديمة وشخصياتها وأحداثها ما يكفي لبناء هوية تسمية خاصة بها، لا تتكرر بصورة آلية في المدن الأخرى.
ولا أدعو هنا إلى محو الأسماء القائمة أو تغيير كل ما اعتاده السكان، فبعض أسماء الأحياء، حتى إن كانت عامة في أصلها، أصبحت بمرور الزمن جزءا من ذاكرة المدينة نفسها. وإنما أدعو إلى مشروع مدروس يبدأ بتوثيق أسماء الأحياء التاريخية وحمايتها، وإعطاء الأولوية للأسماء المحلية عند تخطيط الأحياء الجديدة، ثم مراجعة الأسماء العامة والمتكررة في الأحياء القائمة حيث يكون التغيير مناسبا وممكنا، مع مراعاة آثاره الإدارية والاقتصادية على السكان والمنشآت.
ويمكن أن تتولى الأمانات، بالتعاون مع المؤرخين والجامعات والمختصين في التراث واللغة وأهالي المدن، إعداد «معجم الهوية المكانية» لكل مدينة، يضم الأسماء المقترحة وقصصها ودلالاتها ومصادرها التاريخية. وتخضع الأسماء لمعايير واضحة تضمن أصالتها وسهولة استخدامها وعدم تعارضها مع التسميات القائمة أو الضوابط التنظيمية، ثم تعرض للمشاركة المجتمعية قبل اعتمادها من الجهات المختصة.
ولكي لا يتحول المشروع إلى مجرد تغيير في اللوحات والخرائط، أقترح أن يقترن كل اسم معتمد بقصة موثقة يمكن الوصول إليها رقميا، بحيث يعرف السكان والزوار سبب التسمية وعلاقتها بتاريخ المدينة. عندها يصبح اسم الحي مدخلا للتعرف على المكان، وتتحول خريطة المدينة إلى سجل حي لذاكرتها الثقافية.
إن المدن التي نطمح إلى تطويرها عمرانيا تستحق أيضا أن نحافظ على تميزها ثقافيا. وليس من المنطقي أن نبذل جهودا كبيرة في إبراز الهوية المحلية في العمارة والتصميم والفعاليات، ثم نترك تسمية الأحياء الجديدة لأنماط عامة تتكرر في أنحاء المملكة.
ليست الغاية أن تكون أسماء أحيائنا مختلفة لمجرد الاختلاف، بل أن تكون صادقة في انتمائها. أن يحمل كل حي شيئا من روح مدينته، وأن يجد السكان في أسماء الأماكن التي يعيشون فيها امتدادا للتاريخ والثقافة واللغة التي شكلت مدنهم.
فالمدينة ليست شوارع ومباني وحدائق فحسب، بل ذاكرة تتناقلها الأجيال، وأسماء تحكي قصص المكان.
وأرى أن من حق كل مدينة أن تكون لها أسماؤها، كما أن لها تاريخها ولهجتها وملامحها التي لا تشبه سواها.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.