كانت ريري تعمل في أحد فروع دانكن في المملكة، ولديها طريقة مفضلة لتناول «الكوفي رول»، تقوم على تسخينه وشقه وإضافة الجبن الكريمي إليه. لم تكن قد اخترعت عجينة جديدة، ولا ابتكرت مكونات غير معروفة، وإنما أعادت تقديم منتج موجود بطريقة مختلفة تمنحه مذاقا وتجربة جديدة. قررت أن تشارك هذه الطريقة عبر حسابها في وسائل التواصل الاجتماعي، فكانت تلك الخطوة البسيطة بداية قصة لم تكن تتوقعها على الأرجح.

انتشر المقطع بسرعة لافتة، وتجاوز مليون مشاهدة خلال فترة قصيرة، وبدأ الناس يتداولون طريقتها ويطلبون تجربتها في فروع دانكن. التقطت الشركة هذا الاهتمام، وتحركت خلال يومين فقط لتحويل الفكرة إلى منتج رسمي باسم «ريري رول»، قبل أن تمتد التجربة من السعودية إلى أسواق أخرى، بينها الإمارات والكويت والبحرين وقطر ومصر. ولم يتوقف التقدير عند اعتماد المنتج، فقد أعلنت الشركة ترقية ريري تقديرا لمبادرتها وروحها الابتكارية. والأجمل أن الشركة الأم، «إنسباير براندز»، احتفت بالقصة باعتبارها نموذجا على أن الأفكار الجيدة يمكن أن تأتي من أي مكان داخل المؤسسة.

ما يستوقفني في هذه القصة ليس المنتج نفسه، ولا حجم انتشاره، ولا حتى السرعة المذهلة التي استجابت بها الشركة. ما يلفت انتباهي حقا هو السؤال الذي أعتقد أننا لا نطرحه كثيرا: ماذا لو احتفظت ريري بفكرتها لنفسها؟

بكل بساطة، ربما لم يكن أحد سيسمع عن «ريري رول»، وربما بقيت طريقتها مجرد عادة شخصية تستمتع بها خلال يوم عملها. لم تكن الفكرة ستصل إلى المستهلكين، ولا إلى إدارة الشركة، ولا إلى الأسواق الأخرى. كانت ستبقى موجودة، لكنها لن تتحول إلى قيمة. والفارق بين الاحتمالين لم يكن جودة الفكرة، فقد كانت الفكرة نفسها في الحالتين، وإنما قرار مشاركتها مع الآخرين.

قبل أيام كتبت عن اعتزامي فتح قسم جديد في مدونتي بعنوان «الأفكار المفتوحة»، وهو مساحة أشارك فيها ما يخطر ببالي من تصورات ومقترحات أعتقد أنها تستحق التجربة أو التطوير أو التنفيذ. انطلقت من قناعة بسيطة مفادها أن الإنسان قد يمتلك من الأفكار أكثر مما يستطيع تنفيذه خلال حياته، وأن احتفاظه بها لا يمنحها قيمة إضافية، بينما قد يؤدي نشرها إلى وصولها لشخص أو مؤسسة تمتلك القدرة على تحويلها إلى واقع. جاءت قصة ريري لتقدم مثالا حيا على هذه القناعة، بصورة أكثر وضوحا مما يمكن أن تفعله عشرات المقالات عن أهمية مشاركة الأفكار.

لقد اعتدنا التعامل مع الفكرة بوصفها ملكية ينبغي حراستها، وكأن قيمتها تتناقص كلما عرف بها الآخرون. نخشى أن يسبقنا أحد إلى تنفيذها، أو أن يستفيد منها غيرنا، أو ألا نحصل على التقدير الذي نعتقد أننا نستحقه. هذه المخاوف مفهومة في بعض الحالات، خصوصا عندما تتعلق الأفكار بابتكارات قابلة للحماية أو بمشروعات تجارية تحتاج إلى قدر من السرية، لكنها تحولت لدى كثيرين إلى سبب دائم لعدم مشاركة أي شيء. والنتيجة أن أفكارا كثيرة تموت داخل رؤوس أصحابها، لا لأنها سيئة، وإنما لأنها لم تجد طريقها إلى الآخرين.

تذكرنا ريري بأن الابتكار ليس بالضرورة اختراع شيء من العدم. أحيانا يكون الابتكار في اكتشاف استخدام جديد لمنتج قائم، أو تحسين تجربة معتادة، أو الجمع بين عنصرين لم يفكر أحد في تقديمهما بهذه الطريقة. والأهم من ذلك أن الأفكار لا تحتاج دائما إلى أن تكون مكتملة قبل مشاركتها. فقد تبدأ بملاحظة عابرة، ثم يتولى الآخرون اختبارها وتطويرها وتوسيع نطاقها. وهذا أحد أجمل أوجه الانفتاح على الأفكار، إذ تتحول من اجتهاد فردي محدود إلى فرصة يشارك في تطويرها عدد أكبر من الناس.

لكن القصة تحمل درسا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالمؤسسات نفسها. فشركة دانكن لم تكتف بمشاهدة المقطع أو الإشادة بموظفتها، بل امتلكت المرونة الإدارية والقدرة التشغيلية لتحويل اهتمام الجمهور إلى منتج خلال يومين. وهذه السرعة تستحق التأمل، لأن مؤسسات كثيرة قد تحتاج إلى أسابيع من الاجتماعات والموافقات لدراسة فكرة مماثلة، وربما ينتهي الأمر بعد ذلك إلى تشكيل لجنة تبحث جدوى تشكيل لجنة أخرى!

لقد أدركت دانكن أن الفكرة الجيدة لا تعترف بالتسلسل الإداري، وأن الموظف الذي يتعامل مع المستهلكين كل يوم قد يعرف عن تفضيلاتهم ما لا تعرفه تقارير أبحاث السوق. كما أدركت أن التكريم الحقيقي لصاحب الفكرة لا يكون بشهادة شكر تنتهي صلاحيتها بانتهاء المناسبة، وإنما بمنحه الفرصة لرؤية فكرته تتحقق، والاعتراف العلني بمساهمته، وفتح آفاق جديدة أمامه.

وهنا أجد نفسي أمام مفارقة تستحق التفكير. نحن ننفق كثيرا على برامج الابتكار، ونعقد ورش العمل، وننظم مسابقات الأفكار، ونبحث عن وسائل لتحفيز الإبداع داخل المؤسسات. وفي الوقت نفسه قد تكون أفضل الأفكار موجودة بالفعل لدى العاملين في الصفوف الأمامية، لكنها لا تجد من يستمع إليها، أو لا يمتلك أصحابها الثقة الكافية لمشاركتها. لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس دائما في إنتاج المزيد من الأفكار، بل في بناء ثقافة تسمح للأفكار الموجودة بالظهور، وتمنح أصحابها الثقة بأن مبادراتهم ستؤخذ بجدية.

ولا ينبغي أن نفهم من قصة ريري أن كل فكرة منشورة ستتحول إلى منتج ناجح، أو أن الانتشار في وسائل التواصل دليل كاف على الجدوى التجارية. فهناك فارق كبير بين إثارة الفضول وتحقيق النجاح المستدام. غير أن مشاركة الفكرة تتيح اختبارا أوليا لها أمام الجمهور، وقد تكشف عن طلب لم يكن متوقعا. وما فعلته دانكن هو أنها لم تتعامل مع الانتشار باعتباره نهاية النجاح، بل بوصفه إشارة تستحق الاستجابة السريعة والتجربة الفعلية.

أعتقد أن العالم أصبح أكثر استعدادا لاستقبال الأفكار الصغيرة وتحويلها إلى فرص كبيرة. فقد منحت المنصات الرقمية الأفراد قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى الناس دون الحاجة إلى المرور عبر المؤسسات التقليدية. وأصبح بإمكان فكرة تنطلق من مدينة سعودية أن تصل خلال ساعات إلى جمهور واسع، ثم تجد من يتبناها في أسواق أخرى. لكن هذه الإمكانية تظل بلا قيمة ما لم نمتلك الاستعداد للمبادرة والمشاركة، والتخلي عن الاعتقاد بأن علينا تنفيذ كل فكرة بأنفسنا.

ولهذا تحديدا أؤمن بمفهوم «الأفكار المفتوحة». لا أريد أن تبقى كل فكرة تخطر ببالي رهينة قدرتي الشخصية على تنفيذها، ولا أرى أن نجاح الآخرين في تطوير فكرة شاركتها يمثل خسارة لي. على العكس، سأكون سعيدا بأن أرى فكرة صغيرة نشرتها تتحول يوما إلى مشروع نافع، أو منتج ناجح، أو خدمة تحسن حياة الناس، حتى لو لم أكن جزءا من فريق تنفيذها.

أما ريري، فقد قدمت لنا نموذجا جميلا يستحق الإشادة. فتاة سعودية بدأت بمشاركة طريقتها المفضلة في تناول حلوى، فانتهت قصتها إلى منتج يحمل اسمها، وتجربة عبرت الحدود، وتقدير مهني من شركتها. لم تكن بحاجة إلى منصب إداري رفيع حتى يسمع الناس فكرتها، ولم تنتظر أن يقدم لها أحد دعوة رسمية للمشاركة في برنامج ابتكار.

كل ما فعلته أنها شاركت ما تعرفه وما تحبه.