تتلقى جبال السروات أمطارا موسمية تتدفق عبر الشعاب والأودية باتجاه البحر الأحمر، حاملة معها كميات من التربة والرواسب. ورغم أهمية هذا الجريان في النظام البيئي الطبيعي، فإن جزءا من هذه المياه يمكن الاستفادة منه بصورة أفضل إذا نجحنا في إبطاء حركته، وتعزيز تسربه إلى التربة، بدلا من مروره السريع عبر المنحدرات والأودية.
الفكرة ليست جديدة، وإنما أرى أن من المناسب التذكير بها والدعوة إلى التوسع المدروس في تطبيقها، من خلال إنشاء الحواجز الحجرية الصغيرة والمصاطب وقنوات حصاد المياه التي تتبع تضاريس الأرض، بما يساعد على الاحتفاظ بمياه الأمطار لفترات أطول، وتقليل انجراف التربة، وتعزيز نمو النباتات المحلية، وتغذية المياه الجوفية حيث تسمح الظروف بذلك.
وقد قدم مشروع البيضاء تجربة سعودية ملهمة في هذا المجال، إذ اعتمد على حلول طبيعية وهندسية بسيطة، بمشاركة المجتمع المحلي، وأسهم في تحسين الغطاء النباتي في منطقة كانت تعاني من التصحر. والأجمل أن مؤشرات التحسن استمرت بعد توقف التدخلات المباشرة، وإن كانت النتائج طويلة المدى لا تزال تستحق مزيدا من التقييم العلمي.
أتخيل برنامجا وطنيا يمتد على طول جبال السروات، يدرس الأحواض الجبلية المناسبة ويطبق فيها هذه الحلول وفق طبيعة كل منطقة، مع مراعاة سلامة مجاري السيول والمحافظة على وظائفها البيئية. فالفكرة ليست منع المياه من الوصول إلى البحر، وإنما الاستفادة من جزء أكبر منها قبل وصولها إليه.
إن أثر مثل هذا المشروع قد يتجاوز حصاد المياه إلى استعادة الغطاء النباتي، والحد من تدهور التربة، وتحسين البيئة الطبيعية، وخلق فرص تنموية للمجتمعات المحلية.
ربما لا تحتاج أرضنا دائما إلى مزيد من الأمطار، بقدر حاجتها إلى أن نمنح مياه الأمطار وقتا أطول لتبقى فيها.
ولهذا تستحق تجربة البيضاء أن نتذكرها وندرس إمكانات توسيعها، فربما يكون جزء من مستقبل الاستدامة في جبالنا مرتبطا بفكرة بسيطة: ألا نترك المطر يستعجل الوصول إلى البحر.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.