ومع مرور السنوات اتسعت اهتماماتي، فكانت «دائرة المعارف البريطانية» محطة مختلفة في التعرف إلى المعرفة الإنسانية، ثم «موسوعة الأديان والمذاهب» التي فتحت أمامي أبوابا لفهم المعتقدات وتاريخها، و«البداية والنهاية» لابن كثير بما يحمله من سرد تاريخي واسع. وكان للفلك نصيبه عبر «الموسوعة الفلكية»، وللفكر السياسي حضور عبر كتاب «السياسة»، وللتاريخ الإنساني متعة خاصة مع «سير من حياة الصحابة» و«سير من حياة التابعين» و«أعلام من التاريخ»، وصولا إلى «1001 اختراع واختراع» الذي يعرض جوانب من تاريخ الابتكار والإسهامات العلمية للحضارة الإسلامية.
ورغم اختلاف هذه الأعمال في موضوعاتها وأحجامها ومناهجها، فإن ما جمعها في ذاكرتي هو تلك المتعة التي تمنحها المعرفة الواسعة، والقدرة على الانتقال بين العلوم والتاريخ والفلسفة والجغرافيا والسير، دون أن تفرض على القارئ مسارا واحدا.
ولا أزال أتذكر سعادتي الغامرة حين وصلتني نسخة من موسوعة «إنكارتا» (Microsoft Encarta) على قرص مدمج في منتصف التسعينات. لقد كان ذلك بالنسبة لي تحولا مدهشا في مفهوم العمل الموسوعي؛ فالمعرفة التي اعتدت مطالعتها على صفحات الكتب أصبحت فجأة تجربة تفاعلية تجمع النصوص والصور والأصوات ومقاطع الفيديو والخرائط والرسوم المتحركة. ولم يعد الانتقال بين الموضوعات يحتاج إلى تقليب الصفحات أو البحث في الفهارس، بل أصبح ممكنا بنقرة واحدة.
كانت «إنكارتا» بالنسبة لجيلنا أكثر من موسوعة إلكترونية، فقد قدمت تصورا مبكرا لما يمكن أن تصبح عليه المعرفة عندما تلتقي بالتقنية. وربما لم نكن ندرك آنذاك أن ذلك القرص الصغير كان يمثل مرحلة انتقالية بين عالم الموسوعات الورقية وعالم المعرفة المفتوحة الذي سيأتي لاحقا.
ثم جاءت «ويكيبيديا»، لتفتح مجالا أكثر اتساعا. لم تعد الموسوعة منتجا مغلقا تصدره مؤسسة واحدة، بل مشروعا عالميا تتشارك في بنائه أعداد هائلة من المحررين والمتطوعين، وتتجدد صفحاته باستمرار، وتتشعب موضوعاته عبر روابط تجعل الانتقال من فكرة إلى أخرى رحلة معرفية لا تكاد تنتهي. ولا أنكر ما أحدثته ويكيبيديا من تحول كبير في إتاحة المعرفة، لكن لدي ملاحظات على الموسوعة الحرة، تتعلق بطبيعة تحرير المحتوى وموثوقيته وبعض التحديات المرتبطة بالحياد وآليات بناء المعرفة، قد لا يتسع المقام لتناولها هنا، ولعلها تستحق مقالة مستقلة في وقت لاحق.
وفي السياق السعودي، أجد في مشروع «سعوديبيديا» نموذجا متميزا لنمو العمل الموسوعي الوطني على الإنترنت. فوجود موسوعة رقمية متخصصة في المملكة، توثق تاريخها وجغرافيتها وثقافتها ومؤسساتها وشخصياتها وتحولاتها، وتمكن القارئ من الوصول إلى هذه المعرفة بلغات متعددة، يمثل خطوة مهمة في بناء مرجعية معرفية وطنية قابلة للتطوير والتحديث.
وأعتقد أن أهمية هذه المشاريع لا تقتصر على تقديم المعلومات، بل تمتد إلى حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق التحولات الكبرى، وإتاحة المعرفة للباحثين والإعلاميين والمهتمين من داخل المملكة وخارجها. وأتطلع إلى أن تواصل سعوديبيديا النمو في عمق محتواها وتنوع مصادرها وثراء وسائطها، وأن تصبح نموذجا للمشروع الموسوعي الذي يجمع بين الدقة العلمية وسهولة الوصول والتحديث المستمر.
واليوم، ونحن ندخل مرحلة جديدة مع الذكاء الاصطناعي، أجد نفسي أمام تحول آخر لا يقل إثارة عما شعرت به عند اكتشاف «إنكارتا» قبل ثلاثة عقود. فلم نعد نبحث عن المعلومة فحسب، بل أصبحنا نحاور الأنظمة الرقمية ونطلب منها الربط والتحليل والتفسير. لكن هذا التطور يطرح سؤالا مهما: إذا أصبحت الإجابات متاحة بهذه السهولة، فكيف نضمن صحتها، ونعرف مصادرها، ونميز بين المعرفة الموثقة والمعلومات التي تبدو مقنعة دون أن تكون صحيحة؟
وهنا أعتقد أن قيمة الأعمال الموسوعية الرصينة ستزداد، لا أن تتراجع. فمهما تطورت أدوات الوصول إلى المعرفة، ستبقى الحاجة إلى جمعها وتوثيقها وتنظيمها ومراجعتها قائمة، وربما أصبحت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
وحين أستعيد تلك الموسوعات التي رافقت طفولتي وشبابي، من المجلدات الثقيلة إلى الأقراص المدمجة ثم الموسوعات المفتوحة والمنصات الرقمية، أجد أن أجمل ما تركته في نفسي لم يكن المعلومات التي حفظتها، فقد نسيت كثيرا منها مع مرور الزمن، وإنما الفضول الذي غرسته، والعادة التي صنعتها، والقناعة بأن المعرفة بحر كلما أبحرنا فيه اتسعت أمامنا آفاقه.
لقد تغيرت أوعية المعرفة كثيرا، من الورق إلى الشاشة، ومن الموسوعة المغلقة إلى المعرفة المتجددة، لكن متعة الاكتشاف بقيت كما هي. وربما كانت أعظم هدية تقدمها الموسوعات لقارئها ألا تجعله يظن أنه عرف كل شيء، بل أن تجعله يدرك في كل مرة كم بقي أمامه ليتعلمه.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.