أنظر إلى المملكة العربية السعودية وسط العواصف التي تعصف بالمنطقة، فأرى دولة راسخة في مبادئها، ثابتة في مواقفها، تعرف قدر نفسها، وتدرك مكانتها، وتمتلك من الحكمة والقوة ما يجعلها تتعامل مع التحديات بثقة واتزان. دولة لا تستدرجها الانفعالات، ولا تربكها الضوضاء، ولا تحتاج إلى أن ترفع صوتها لتثبت حضورها.
لقد علمتنا المملكة، على امتداد سنوات أعمارنا، أن القوة ليست في امتلاك أدواتها فحسب، بل في حسن استخدامها، وأن السياسة ليست سباقا في إطلاق التهديدات، وإنما فن تحقيق المصالح وصناعة المواقف وإدارة التحديات. وما أجمل أن يكون لوطنك من الأوراق السياسية والاقتصادية والدبلوماسية ما يستطيع به حماية مصالحه ورد اعتباره، دون أن يتخلى عن أدبه أو حكمته أو أسلوبه الحضاري.
لكن ما يجعل اعتزازي بالمملكة أعمق من مجرد الفخر بقوتها ومكانتها، هو ذلك السجل الإنساني الذي شهدناه بأعيننا طوال حياتنا.
كم من مظلوم أنصفته، ومحتاج أعانته، وملهوف أغاثته، وشعب وقفت إلى جانبه في محنته؟ لقد رأينا بلادنا تمد يد الخير عبر القارات، وتساند الشعوب في أزماتها، وتقدم ما تستطيع تقديمه انطلاقا من قيم الأخوة والإنسانية. ولم تكن هذه المواقف استثناءات عابرة، بل نهجا ممتدا عبر السنين.
أفليس حريا بنا أن نعتز بهذا النموذج الرائد، وأن ننتصر لقيمه؟
إن المملكة التي نعرفها لم تبن مكانتها على القوة وحدها، وإنما على ما يجتمع فيها من مكانة دينية، وثقل سياسي، وقدرات اقتصادية، وإرث تاريخي، وطموح تنموي، وشعب يعرف قيمة أرضه وقيادته ومكتسباته.
وهذه ليست أسبابا للتفاؤل فحسب، بل مقومات حقيقية نستطيع أن نبني عليها ثقتنا بالمستقبل.
ولنكن واعين بأن في هذا العالم من لا يسره نجاح الآخرين، ومن يسعى إلى نشر الفوضى أو تقويض الاستقرار، وقد رأينا ما فعلته الصراعات والمشروعات الهدامة في عدد من بلدان منطقتنا. لكن المملكة ليست ساحة مفتوحة لأوهام العابثين، وليست دولة تفتقر إلى أدوات حماية مصالحها. إنها دولة تمتلك مؤسساتها وقدراتها وخبراتها، وتعرف متى تتحرك، وكيف تتحرك، وما الذي تريد تحقيقه.
وحين أعود إلى التاريخ، أجد في هذه الأرض أسبابا أخرى للاعتزاز.
فمن الجزيرة العربية انطلقت رسالة الإسلام، ومنها بدأت مسيرة حضارية عظيمة امتد أثرها إلى الصين شرقا والأندلس غربا، وأسهم في بنائها رجال وأمم حملوا العلم والمعرفة والقيم إلى آفاق واسعة. إنها أرض عرفت كيف تتحول فيها البدايات المتواضعة إلى تحولات كبرى غيرت مجرى التاريخ.
وحين أستحضر ما في ديننا من دعوة إلى الثبات والعمل، وما ورد من بشارات لهذه الأمة، يزداد حسن ظني بالله وتفاؤلي بما يأتي، دون أن أغفل أن التوفيق يستلزم الأخذ بالأسباب، وأن العز لا يصنعه التمني، بل الإيمان والعمل والعلم والعزيمة.
فعلام لا نتفاءل بمستقبل وطننا ونحن نملك كل هذه الأسباب؟
لقد واجهت المملكة تحديات كثيرة عبر تاريخها، وتجاوزت محطات صعبة، وواصلت البناء في ظروف لم تكن دائما مواتية. واليوم، ونحن أكثر خبرة وقدرة، وأوسع حضورا وتأثيرا، وأعلى طموحا، فإن أمامنا من الفرص ما يستحق أن ننشغل بصناعته أكثر من انشغالنا بما يحاول الآخرون فرضه علينا.
لسنا مطالبين بأن نثبت حبنا للوطن بالكلمات وحدها، ولا بأن نحول كل حدث إلى مناسبة للغضب والانفعال. إنما نحتاج إلى أن نكون على قدر هذه المرحلة: أكثر وعيا، وأفضل عملا، وأشد تماسكا، وأعمق ثقة بأنفسنا وبقدرتنا على صناعة المستقبل.
فالمواطن الذي يتقن عمله، والشاب الذي يبني مشروعه، والباحث الذي يطور معرفته، والإعلامي الذي يتحرى الحقيقة، وكل من يسهم في تقدم هذه البلاد، إنما يشارك في تعزيز قوتها ومكانتها.
وأجمل ما يمكن أن نقدمه للمملكة اليوم ألا نكتفي بالدفاع عن مكتسباتها، بل أن نضيف إليها مكتسبات جديدة.
إنني لا أنظر إلى هذه المرحلة بعين القلق، بل بعين الثقة والتفاؤل. ولا أرى في العواصف التي تحيط بنا سببا للتراجع عن طموحاتنا، بل دافعا إلى مزيد من العمل والإنجاز. فما بني على الإيمان والعزيمة والعلم والمؤسسات الراسخة، يمتلك أسبابا قوية لمواصلة التقدم.
هذا ليس وقت الخوف، ولا وقت الانشغال بمن يتمنى لنا التعثر، وإنما وقت الثقة والعمل، ووقت أن نثبت لأنفسنا قبل غيرنا أن المملكة التي نعتز بماضيها، ونفخر بحاضرها، قادرة بعون الله ثم بجهود أبنائها ومؤسساتها على صناعة مستقبل يليق بها.
نحن أبناء وطن عظيم، نملك أسباب القوة، ونعرف قيمة ما بين أيدينا، ونحمل طموحا أكبر من أن تحده عواصف عابرة.
فليحفظ الله المملكة العربية السعودية، وليدم عليها عزها وأمنها، وليوفق قيادتها وشعبها إلى مزيد من الرفعة والتمكين.
هذا وقت الوطن، ووقت الثقة به، والعمل من أجله، والمضي معه إلى مستقبل أعظم بإذن الله.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.