يحاول جون سي. ماكسويل الإجابة عن هذه الأسئلة في كتابه «21 قانونا لا يقبل الجدل في القيادة»، مستندا إلى خبراته وملاحظاته وقصص من التاريخ وعالم الأعمال، ليقدم مجموعة من المبادئ التي يرى أنها تفسر نجاح القادة وإخفاقاتهم. وما يجعل الكتاب جذابا للتأمل، في نظري، ليس عدد القوانين التي يقدمها، بل الفكرة التي يقوم عليها: أن القيادة لا تستمد قيمتها من السلطة التي يمتلكها الإنسان، وإنما من قدرته على التأثير في الآخرين، وتطوير إمكاناتهم، وتحويل الجهود الفردية إلى إنجاز جماعي.

ومن بين الأفكار التي استوقفتني «قانون الغطاء»، الذي يرى ماكسويل من خلاله أن القدرة القيادية تضع سقفا لفاعلية الفرد أو المؤسسة. وهي فكرة تستحق التأمل، خصوصا حين نشاهد مؤسسات تمتلك الخطط والميزانيات والكفاءات، لكنها لا تحقق النتائج المنتظرة. فالموارد وحدها لا تصنع النجاح، وإنما تحتاج إلى قيادة قادرة على توجيهها، وإدارة أولوياتها، وتحويلها إلى أثر ملموس.

ويتناول الكتاب أيضا «قانون التأثير»، الذي يميز بين السلطة الرسمية والقدرة الحقيقية على قيادة الناس. فقد يستطيع المدير أن يفرض الالتزام بالتعليمات، لكنه لا يستطيع بالمنصب وحده أن يصنع الثقة أو الحماس أو الولاء المهني. وهذه في اعتقادي من أهم الفروق بين الإدارة والقيادة؛ فالأولى تعنى بتنظيم العمل وضبط مخرجاته، بينما تضيف الثانية القدرة على استنهاض الطاقات وتوجيهها نحو غاية مشتركة.

أما «قانون العملية»، فيقدم تصورا أراه أكثر واقعية لتطور القادة، وهو أن القيادة لا تتشكل بقرار تعيين، ولا تكتسب من دورة تدريبية أو شهادة مهنية، وإنما تنمو عبر التجربة والتعلم والممارسة وتراكم المواقف. فالقائد الذي نراه اليوم قادرا على اتخاذ القرارات الصعبة، وإدارة الخلافات، وبناء التوافق، لم يصل بالضرورة إلى هذه القدرة دفعة واحدة، وإنما صقلتها سنوات من النجاح والإخفاق والتجربة.

ولعل من أكثر الأفكار التي أجدها جديرة بالاهتمام ما يتصل بإعداد القادة وتمكين الآخرين. فنجاح القائد لا ينبغي أن يقاس بما يستطيع إنجازه أثناء وجوده فقط، وإنما بما يتركه من قدرات بعد مغادرته. والمؤسسة التي ترتبط جميع قراراتها وتفاصيل أعمالها بشخص واحد، مهما بلغت كفاءته، قد تبدو ناجحة في حضوره، لكنها تكشف عن هشاشتها حين يغيب.

وهنا يبرز سؤال أراه ضروريا لكل من يتولى مسؤولية قيادية: هل نبني مؤسسات قادرة على الاستمرار، أم نبني نجاحات مرتبطة بأشخاصنا؟ ومع تقديري للأفكار العملية التي يقدمها ماكسويل، فإن عنوان الكتاب نفسه يثير لدي تحفظا. فهل توجد بالفعل قوانين في القيادة لا تقبل الجدل؟

أميل إلى الاعتقاد بأن القيادة أكثر تعقيدا من أن تختزل في قواعد مطلقة، وأن نجاح أي ممارسة قيادية يتأثر بطبيعة المؤسسة وثقافتها، ومستوى نضج فريقها، والظروف التي تعمل فيها. فما يصلح لقيادة شركة ناشئة قد لا يصلح لإدارة مؤسسة حكومية كبيرة، وما ينجح في الظروف المستقرة قد يحتاج إلى مراجعة جذرية في أوقات الأزمات.

كما أنني أتحفظ على المبالغة في تفسير نجاح المؤسسات أو إخفاقها من خلال شخصية القائد وحدها. فهناك أنظمة وحوكمة وثقافات تنظيمية وظروف اقتصادية، وعوامل كثيرة تتجاوز قدرات الأفراد، مهما بلغت مهاراتهم. والقائد الجيد هو من يدرك حدود تأثيره بقدر إدراكه لحجم مسؤولياته.

ولذلك أرى أن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في التسليم بقوانينه الإحدى والعشرين باعتبارها حقائق نهائية، بل في استخدامها أدوات للتأمل والمراجعة الذاتية. هل نمنح فرقنا الثقة التي تستحقها؟ هل نطور قدراتهم أم نكتفي بتوزيع المهام عليهم؟ هل نميز بين كثرة الأنشطة وتحقيق النتائج؟ وهل نصنع بيئة يستطيع فيها الآخرون النجاح دون الاعتماد الدائم علينا؟

إن القيادة في نظري ليست امتيازا تنظيميا بقدر ما هي مسؤولية مضاعفة، وليست استعراضا للقدرات الشخصية، وإنما قدرة على توظيف قدرات الآخرين، وبناء بيئة تسمح لهم بالتفوق، حتى وإن تجاوزوا قائدهم نفسه.

خرجت من «21 قانونا لا يقبل الجدل في القيادة» بقناعة أن أفضل ما يمكن أن يتركه القائد ليس قائمة بإنجازاته الشخصية، ولا حجم الصلاحيات التي مارسها، وإنما مؤسسة أصبحت أكثر كفاءة، وفريقا أصبح أكثر قدرة، وقادة جددا يستطيعون مواصلة المسيرة من بعده.