أتأمل أحيانا الطريقة التي نتصفح بها هواتفنا؛ ننتقل خلال دقائق بين خبر سياسي، ومقطع ترفيهي، وإعلان تجاري، وتحليل اقتصادي، دون أن نتوقف طويلا عند أي منها. وربما نكون قد شاهدنا عشرات الرسائل، لكن كم واحدة بقيت في ذاكرتنا؟ وكم منها أثرت فعلا في معرفتنا أو مواقفنا؟

لقد أصبحنا نعيش ما يعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث لم تعد المعلومات موردا نادرا، بل أصبح انتباه الإنسان نفسه هو المورد المحدود الذي تتنافس عليه المؤسسات والمنصات وصناع المحتوى. وقد أدرك المفكر الأمريكي هربرت سايمون هذه المفارقة مبكرا، حين أشار عام 1971 إلى أن وفرة المعلومات تقود إلى ندرة الانتباه. وهي رؤية تبدو اليوم أكثر وضوحا مما كانت عليه قبل نصف قرن، في ظل منصات تتسابق خوارزمياتها على إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة أمام الشاشة.

لكن هذا التنافس أوجد مفارقة تستحق التأمل؛ فكلما ازدادت قدرة المؤسسات على إنتاج المحتوى ونشره، أصبح من الأصعب ضمان وصول رسائلها إلى الجمهور بصورة مؤثرة.

وفي دراسة نشرت بمجلة Nature Communications عام 2019 بعنوان «تسارع ديناميكيات الانتباه الجماعي»، رصد الباحثون تغير أنماط الاهتمام العام عبر مصادر رقمية متعددة، ووجدوا أدلة على تسارع انتقال الانتباه بين الموضوعات. وهذا يعني أن المحتوى قد يحقق انتشارا واسعا خلال فترة قصيرة، ثم يختفي من دائرة الاهتمام بالسرعة نفسها.

أما تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، فقد أظهر أن 42% من المشاركين في الأسواق المشمولة بالتقرير يتجنبون الأخبار أحيانا أو بصورة متكررة، مقارنة بنسبة 29% عام 2017. وهي نتيجة تثير تساؤلات جدية حول أثر كثافة المحتوى وطبيعته في علاقة الجمهور بالإعلام.

ومن خلال اهتمامي بالإعلام والاتصال المؤسسي، أجد أن إحدى المشكلات تتمثل في الخلط بين الوصول والتأثير. فقد تحقق حملة إعلامية ملايين المشاهدات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجمهور فهم رسالتها، أو تذكرها، أو تغير سلوكه نتيجة لها.

تخيل مؤسستين تطلقان حملتين إعلاميتين؛ الأولى تنشر عشرات المقاطع يوميا وتحقق أرقاما مرتفعة في المشاهدات، بينما تقدم الثانية محتوى أقل عددا، لكنه مصمم بعناية لمعالجة احتياجات جمهور محدد. أيهما حققت نجاحا أكبر؟ لا يمكن الإجابة دون معرفة الأثر الفعلي لكل حملة. فالمشاهدات تقيس التعرض للمحتوى، لكنها لا تكفي وحدها لقياس الفهم أو الثقة أو التغيير السلوكي.

وهنا أعتقد أن المؤسسات بحاجة إلى مراجعة فلسفتها في صناعة المحتوى. فالتنافس المستمر على لفت الانتباه قد يدفع البعض إلى المبالغة في العناوين، أو الإثارة المفتعلة، أو اختزال القضايا المعقدة بصورة تخل بمعانيها. وربما تحقق هذه الأساليب انتشارا مؤقتا، لكنها قد تستنزف ثقة الجمهور على المدى الطويل. ولا أرى أن الحل يكمن في الابتعاد عن الأساليب الجذابة أو تجاهل طبيعة المنصات الرقمية، بل في تحقيق التوازن بين جاذبية الرسالة وقيمتها. فالمحتوى الناجح ينبغي أن يحترم وقت الجمهور وذكاءه، وأن يقدم له سببا حقيقيا للاهتمام، سواء من خلال معلومة نافعة، أو تجربة إنسانية، أو معالجة مبتكرة لقضية تمسه.

ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي جعل إنتاج المحتوى أسرع وأقل تكلفة، أتوقع أن تزداد حدة المنافسة على الانتباه، وأن تصبح الأصالة والمصداقية والقدرة على فهم الجمهور عناصر أكثر أهمية في صناعة التأثير الإعلامي. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات اليوم ليس كيف نجعل الجمهور يشاهد المزيد من محتوانا، بل كيف نجعل ما يشاهده جديرا بوقته وثقته.

ففي عصر يستطيع فيه الجميع إنتاج المحتوى، لن يكون التميز لمن ينجح في جذب الانتباه فحسب، بل لمن يستطيع تحويل هذا الانتباه إلى معرفة، والمعرفة إلى ثقة، والثقة إلى أثر يبقى بعد انتهاء المشاهدة.