تتمثل أبرز التحولات الحديثة في انتقال المحتوى من النشر العام إلى التواصل القائم على البيانات. فلم يعد من الفعّال تقديم الرسالة نفسها لجميع المستخدمين، في الوقت نفسه وبالصيغة ذاتها. إذ تتيح أدوات التحليل والذكاء الاصطناعي فهم اهتمامات الجمهور وسلوكه ولغته واحتياجاته، ثم تقديم محتوى أكثر ارتباطًا بكل فئة. وتشير دراسات حديثة إلى أن الجمهور يرى الإعلانات والرسائل أكثر فاعلية عندما ترتبط باهتماماته الفعلية، ما يعكس القيمة المتزايدة للتخصيص في تحسين تجربة المستخدم.
ولا يعني التخصيص تغيير اسم المستخدم داخل الرسالة فقط، بل تصميم تجربة مختلفة بحسب احتياجاته. فقد تقدم المؤسسة للمستفيد الجديد محتوى تعريفيًا، بينما تقدم للمستخدم المتكرر معلومات أكثر تقدمًا، وتوجه الرسائل بلغات وصيغ متنوعة وفق موقع الجمهور ومرحلة رحلته واهتماماته. وبذلك يتحول الإعلام الاجتماعي من خطاب جماهيري موحد إلى منظومة اتصال أكثر دقة وملاءمة.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح مكونًا أساسيًا في تشغيل الإعلام الاجتماعي، من تحليل المحادثات والمشاعر، إلى اكتشاف الموضوعات الناشئة، واقتراح المحتوى، والترجمة، وإعادة إنتاج المادة الواحدة بصيغ متعددة. كما يمكنه مساعدة الفرق الإعلامية على مراقبة ملايين التفاعلات، واكتشاف المخاطر والشائعات مبكرًا، وتحديد الأسئلة المتكررة، وتقديم مؤشرات تدعم القرار الاتصالي. وقد انتقل استخدام الذكاء الاصطناعي في التسويق والاتصال من مرحلة التجربة إلى مرحلة التشغيل المؤسسي الواسع، بحيث تعمل القدرات البشرية والآلة ضمن منظومة واحدة.
لكن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في إنتاج أكبر كمية ممكنة من المحتوى، بل في تحسين جودته وسرعته وملاءمته. فالاستخدام المفرط للمحتوى الآلي قد يؤدي إلى تشابه الرسائل وفقدان الطابع الإنساني، وهو ما قد يضعف الثقة. وتظهر الأبحاث أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تزيد حجم المشاركة، لكنها قد تخفض في المقابل الإحساس بالأصالة وجودة النقاش إذا لم تُستخدم بحساسية وشفافية.
ولهذا يتجه الإعلام المؤسسي الحديث نحو نموذج يقوم على «الذكاء الاصطناعي المساند للإنسان»، لا البديل عنه. تستخدم التقنية لتحليل الجمهور وتسريع العمليات وتقديم البدائل، بينما تبقى المسؤولية البشرية حاضرة في صياغة الموقف، وفهم السياق الثقافي، وضبط النبرة، واتخاذ القرار النهائي. وتؤكد اتجاهات المحتوى لعام 2026 أن الجمهور ما زال يفضل المحتوى الذي يحمل لمسة إنسانية، وأن دور الذكاء الاصطناعي الأكثر قبولًا يتمثل في دعم الرؤى والكفاءة، لا استبدال الذوق البشري بالكامل.
ويتزامن هذا التحول مع استمرار صعود الفيديو القصير والعمودي بوصفه أحد أهم أشكال الوصول والاكتشاف. غير أن نجاح الفيديو لم يعد مرتبطًا بجمال الإنتاج وحده، بل بقدرته على تقديم قيمة مباشرة خلال الثواني الأولى. ويتوقع الجمهور اليوم محتوى مختصرًا، بصريًا، سهل الاستيعاب، وقابلًا للمشاركة، مع وجود مساحة في الوقت نفسه للمحتوى المتخصص والطويل عندما يحتاج الموضوع إلى شرح وعمق.
كما أصبحت المنصات الاجتماعية محركات للبحث، وليست فقط شبكات للتواصل. فالمستخدم يبحث داخلها عن الخدمات والمنتجات والتجارب والتفسيرات، ويتوقع من المؤسسة أن تقدم إجابات مباشرة يمكن العثور عليها بسهولة. وهذا يفرض على المؤسسات تطوير محتواها وفق منطق البحث الرقمي، باستخدام عناوين واضحة، وكلمات مرتبطة باحتياجات الجمهور، وشرح عملي للأسئلة الأكثر تداولًا.
ومن التوجهات المهمة أيضًا الانتقال من صناعة المتابعين إلى بناء المجتمعات الرقمية. فالعدد الكبير من المتابعين لا يعني بالضرورة وجود علاقة حقيقية أو تأثير مستدام. والمؤسسات الأكثر تقدمًا لا تكتفي بالنشر، بل تستمع وترد وتشارك جمهورها وتستفيد من المحتوى الذي ينتجه المستخدمون. كما تتعاون مع صناع محتوى متخصصين يمتلكون ثقة مجتمعات محددة، بدل الاعتماد الحصري على الحملات الجماهيرية واسعة النطاق. وتظهر الاتجاهات الحديثة استمرار نمو الاستثمار في محتوى صناع المحتوى خلال عام 2026.
ومع اتساع هذه الممارسات، تصبح الحوكمة ضرورة لا تقل أهمية عن الإبداع. فاستخدام بيانات الجمهور والتخصيص والذكاء الاصطناعي يثير أسئلة تتعلق بالخصوصية، والتحيز، ودقة المعلومات، وحقوق الملكية، والإفصاح عن المحتوى المصنوع آليًا. لذلك تحتاج المؤسسات إلى سياسات واضحة تحدد البيانات المسموح باستخدامها، ومستويات الموافقة البشرية، وآليات مراجعة المحتوى، والتعامل مع الأخطاء والمعلومات المضللة.
كما ينبغي تطوير مؤشرات الأداء المستخدمة في الإعلام الاجتماعي. فالوصول والإعجاب وعدد المتابعين لم تعد كافية لقياس الأثر. القياس الأكثر نضجًا يركز على جودة التفاعل، ومعدل الاستجابة، ومستوى الثقة، وتحسن الانطباعات، وإتمام الخدمات، وقدرة المحتوى على تغيير المعرفة أو السلوك. وهنا يستطيع الذكاء الاصطناعي ربط كميات ضخمة من البيانات وتحويلها إلى رؤى تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
في النهاية، مستقبل الإعلام الاجتماعي المؤسسي لا يتعلق بمن ينشر أكثر، بل بمن يفهم جمهوره بصورة أعمق، ويقدم له تجربة أكثر فائدة وإنسانية. ستمنح التقنيات الجديدة المؤسسات قدرة غير مسبوقة على التخصيص والاستماع والاستجابة والتنبؤ، لكنها لن تعوض غياب الاستراتيجية أو ضعف المصداقية.
المؤسسة الناجحة هي التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتصبح أكثر قربًا من الإنسان، لا أكثر آلية؛ وتستخدم البيانات لتحسين الخدمة، لا لملاحقة المستخدم؛ وتبني حضورًا رقميًا يستند إلى الثقة والقيمة والاستمرارية. عندها يتحول الإعلام الاجتماعي من واجهة للنشر إلى أصل استراتيجي يؤثر في السمعة، وتجربة الجمهور، والقرار المؤسسي.
