هذه هي الفكرة التي يقوم عليها الإعلان كله. فالإنسان يظهر قبل المكان، والانفعال يسبق المنتج، واللعب يسبق القدية. نرى وجوها وحركة وفضولا ومنافسة ومغامرة، ثم تتسع الدائرة تدريجيا لتشمل أشكالا مختلفة من الرياضة والترفيه والتجربة. تتغير الشخصيات والأماكن والأعمار، لكن الرغبة في اللعب تبقى العامل المشترك بينها جميعا، وكأن الإعلان يريد القول إن اللعب لغة إنسانية لا تحتاج إلى ترجمة.
يعجبني دائما الإعلان الذي يحاكي الإلهام، ولا يكتفي بتقديم رسالة مباشرة أو الترويج لمنتج، بل يترك لدى المتلقي شعورا إيجابيا يستمر حتى بعد انتهاء المشاهدة. وأعتقد أن هذا تحديدا ما نجح فيه إعلان القدية؛ فهو لا يخبرك فقط بأن اللعب جميل، بل يستدعي داخلك الشعور المرتبط به: الحماس والفضول والفرح والمنافسة والدهشة.
وهذا في رأيي أحد أجمل القرارات الإبداعية في العمل؛ فالقدية لا تقدم اللعب باعتباره ترفا من الممكن أن نلجأ إليه عندما ننتهي من الأشياء المهمة في حياتنا، بل باعتباره حاجة إنسانية أصيلة مرتبطة بالحركة والاكتشاف والمنافسة والفرح. ومن هنا تتحول الرسالة من الحديث عن مدينة ترفيهية إلى الحديث عن الإنسان نفسه. حتى الصورة لا تتعامل مع القدية بوصفها مجموعة من المرافق التي يجب استعراضها، بل تأتي أقرب إلى لغة الفيلم السينمائي. اللقطات القريبة للوجوه، وحركة الكاميرا، والإضاءة، والتباين بين الهدوء والانفجار البصري، والتنقل بين اللحظات الإنسانية الحميمة والمشاهد الرياضية والجماهيرية وسباقات السيارات؛ كلها تمنح الإعلان إيقاعًا متصاعدا يجعلنا نشعر بالفكرة قبل أن نفكر فيها.
واللافت أن هذا التنوع البصري لا يبدو عشوائيا، بل يخدم تعريفا واسعا جدا للعب. فاللعب هنا ليس لعبة بعينها، بل قد يكون رياضة أو سباقا أو منافسة أو مغامرة أو مشاهدة أو مشاركة أو مجرد لحظة يخرج فيها الإنسان من رتابة يومه. وهكذا تتوسع دلالة الكلمة حتى تصبح أقرب إلى أسلوب حياة.
ومن الناحية الاتصالية، أرى أن أهم ما يفعله الإعلان هو محاولته نقل القدية من كونها «مكانا» إلى أن تصبح «فكرة». فالعلامات التجارية الكبرى لا تكتفي بالتعريف بما تقدمه، بل تحاول امتلاك معنى محدد في أذهان الناس. وهذا ما يبدو أن القدية تسعى إليه مع مفهوم «اللعب». فبدل أن تقول: لدينا مدينة ضخمة ومنشآت ومرافق وتجارب تستحق الزيارة، تقول شيئا أبسط وأعمق: نحن المكان الذي يعيد إليك شيئا موجودا في داخلك أصلا.
وهنا تأتي إحدى أجمل الاستعارات البصرية في الإعلان: الحمض النووي DNA. فظهوره ليس مجرد لمسة بصرية مستقبلية، وإنما يمثل الخلاصة الرمزية للعمل كله. بعد أن يأخذنا الإعلان عبر الإنسان والحركة والرياضة والمنافسة والمغامرة، يصل في النهاية إلى الشيفرة التي يتكون منها الإنسان، وكأنه يقول إن اللعب ليس شيئًا نضيفه إلى حياتنا، بل شيء مكتوب فينا منذ البداية.
وهنا لامس الإعلان لدي شيئا شخصيا. صحيح أنني كبرت على كثير من الألعاب التي كانت جزءا من سنوات الطفولة والفتوة، إلا أن الإعلان استطاع أن يثير لدي طاقة اللعب من جديد، وأن يستدعي العديد من الذكريات الجميلة التي مررت بها. وربما هذه واحدة من أقوى علامات نجاح الإعلان: أن يستطيع في دقيقة واحدة أن يحرك ذاكرة المتلقي، ويجعله يستعيد شعورا ظن أنه تجاوزه منذ زمن.
كذلك من جماليات الإعلان تقديمه للعديد من الأنشطة الترفيهية وأنماط اللعب من خلال عدد من الشخصيات من مختلف بقاع العالم، وعلى مختلف الأعمار، وهذه لمسة ذكية وعبقرية في آن واحد من جانب صانع الإعلان في الإيحاء للمتلقي برسالة أن هذا هو الأصل لدى كل شعوب الأرض وأفراد مجتمعاتها، ولذلك نشأت مدينة القدية بالقرب منك لتتيح لك الإستمتاع بهذه المشاعر الرائعة.
ومن هنا أيضا تكتسب عبارة «اللعب يحيينا» قوتها. فهي لا تقدم علاقة أحادية بين الإنسان والترفيه، بل علاقة متبادلة: نحن نحيي اللعب عندما نمارسه، واللعب بدوره يحيي فينا الفضول والحماس والطاقة والدهشة، وربما شيئا من الطفل الذي يختبئ داخل كل واحد منا مهما تقدم به العمر. حتى الموسيقى والمونتاج يعملان لخدمة هذه الفكرة. الإعلان لا يبدأ بأقصى درجات الإثارة، وإنما يسمح للطاقة بأن تتشكل بشكل تدريجي. تتسارع المشاهد وتتزايد الحركة وترتفع كثافة التجربة حتى تصل إلى ذروتها. وهذا التصاعد يجعل المشاهد لا يتلقى الرسالة بوصفها عبارة إعلانية جاهزة، وإنما يعيشها خلال دقيقة واحدة.
وربما لهذا أعجبني الإعلان؛ لأنه لم يقع في الفخ المعتاد لإعلانات المشروعات الكبرى. لم يحاول أن يقول لنا: انظروا إلى حجم المشروع. ولم يغرق الدقيقة بالأرقام والمرافق والمعلومات والوعود. ولم يحاول أصلا شرح مدينة القدية كاملة، وإنما اختار فكرة واحدة قوية وبنى حولها عالمًا بصريًا كاملًا: اللعب جزء من الإنسان. وهذه، في رأيي، إحدى أهم قواعد الاتصال الإبداعي؛ فليس المطلوب دائما أن تقول أشياء كثيرة عن نفسك، بل أن تجد الفكرة الواحدة التي تريد أن يتذكرك الناس من خلالها.
بعد انتهاء الإعلان قد لا تتذكر منشأة بعينها، ولا لعبة محددة، ولا رقما عن حجم المشروع، لكنك تتذكر الشعور. وهذا بالنسبة لي هو الفارق بين إعلان نشاهده وإعلان يبقى معنا. فقد انتهت الدقيقة، لكن بقيت طاقة اللعب، وبقيت معها ذكريات جميلة، وبقي ذلك الشعور الإيجابي الذي أبحث عنه وأقدره دائمًا في الأعمال الإبداعية الملهمة.
وحين يستطيع إعلان مدته دقيقة واحدة أن ينقل مشروعا من كونه مكانا على الخريطة إلى معنى مرتبط بالطبيعة الإنسانية، فإنه لا يكون قد روّج للمكان فقط، بل يكون قد بدأ في بناء علامة. ولهذا أرى أن شعار «اللعب يحيينا» ليس مجرد عبارة إعلانية جميلة، بل اختصار ذكي لفلسفة كاملة تريد مدينة القدية أن تُعرف بها: أن اللعب ليس هروب من الحياة، بل قد يكون الشيء الذي لا يزال يشعرنا بأننا ما زلنا أحياء.
