اعتدنا عندما نتحدث عن الوقف أن تتجه أذهاننا إلى العقارات والمساجد والآبار والمرافق الخدمية، وهي أوقاف عظيمة أسهمت عبر التاريخ في رعاية الإنسان وتلبية احتياجاته. لكن الوقف المعرفي يفتح أمامنا بعدا آخر لا يقل أهمية؛ فهو لا يكتفي بتقديم الخدمة للإنسان، بل يساعده على بناء قدراته، وتوسيع مداركه، وتحسين فرصه، وتمكينه من صناعة مستقبله بنفسه.
أعجبتني الفكرة لأنها تنظر إلى المعرفة باعتبارها أصلا مستداما، لا مجرد محتوى ينتج ويستهلك ثم ينتهي أثره. فالكتاب الذي ينتقل من قارئ إلى آخر لا يفقد قيمته، والبحث الذي يسهم في حل مشكلة يمكن أن يغير حياة مجتمع كامل، والمنصة التعليمية التي تتيح المعرفة للناس قد تفتح أبوابا لم تكن متاحة أمامهم من قبل. المعرفة من الأصول القليلة التي لا تنقص حين تمنح للآخرين، بل تتضاعف قيمتها كلما اتسعت دائرة الاستفادة منها.
يمكن أن يكون الوقف المعرفي مكتبة رقمية متاحة للجميع، أو صندوقا مستداما لتمويل الأبحاث، أو برنامجا للترجمة، أو منصة تعليمية مجانية، أو منحة للطلاب والباحثين، أو مشروعا لحفظ الوثائق والمخطوطات والذاكرة الوطنية. وقد يكون أيضا حقوق كتاب يخصص مؤلفه عوائدها لدعم التعليم، أو قاعدة بيانات تفتح أمام الباحثين، أو برنامجا تدريبيا ينقل خبرات المتخصصين إلى الأجيال الجديدة.
ومع التحولات التقنية المتسارعة، تتسع الفكرة أكثر. فقد يكون الوقف المعرفي في المستقبل نموذجا لغويا باللغة العربية، أو أداة مفتوحة المصدر، أو منصة للذكاء الاصطناعي، أو أرشيفا رقميا، أو قاعدة بيانات معرفية تخدم الباحثين والمبتكرين. فأصول المستقبل لن تكون جميعها مباني وأراضي، بل ستكون أيضا بيانات وخوارزميات وبرمجيات وحقوقا فكرية ومنتجات رقمية قادرة على إنتاج قيمة متجددة.
ما يلفتني في هذا التوجه أنه ينقل العمل الخيري من تمويل النشاط المؤقت إلى بناء الأصل الدائم. فكثير من المبادرات المعرفية تبدأ بحماس، وتحصل على تمويل لفترة محدودة، ثم تتوقف بانتهاء الميزانية أو تغير الإدارة أو انتقال الفريق المسؤول عنها. وقد نرى دورة تدريبية مميزة تنفذ مرة واحدة، أو دراسة مهمة لا يتبعها أي تطوير، أو منصة تطلق ثم لا تجد من يمول تشغيلها وتحديثها.
الوقف المعرفي يقدم إجابة مختلفة؛ فهو لا يسأل فقط: كيف نمول هذه المبادرة اليوم؟ بل يسأل: كيف نضمن استمرارها لعشر سنوات أو عشرين سنة؟ وكيف تتحول من مشروع مرتبط بأشخاص محددين إلى مؤسسة تمتلك مواردها، وحوكمتها، ونموذج تشغيلها، وقدرتها على التجدد؟
هذه النقلة في التفكير مهمة جدا. فبدلا من تمويل بحث واحد، يمكن إنشاء صندوق يمول الأبحاث بصورة مستمرة. وبدلا من تنظيم برنامج تدريبي عابر، يمكن بناء منصة تنقل المعرفة إلى آلاف المستفيدين. وبدلا من شراء مجموعة كتب لمكان واحد، يمكن إنشاء مكتبة رقمية تصل إلى الناس في كل مكان. الفرق هنا ليس في حجم الإنفاق فقط، بل في تصميم الأثر وطريقة استدامته.
وأرى أن حاجتنا إلى الوقف المعرفي اليوم أصبحت أكبر من أي وقت مضى. فنحن نعيش في عالم تقوم فيه المنافسة على امتلاك المعرفة وإنتاجها وتطبيقها. الدول الأكثر تقدما ليست بالضرورة الأكثر امتلاكا للموارد الطبيعية، بل الأكثر قدرة على بناء الإنسان، وتمويل البحث، وتطوير التقنية، وتحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات وقيمة اقتصادية.
كما أننا ما زلنا نواجه فجوات معرفية واضحة، خصوصا في المحتوى العربي المتخصص، والترجمة، والوصول المفتوح إلى الأبحاث، وتوثيق التجارب الوطنية، وحفظ الإنتاج الفكري، وتطوير الأدوات التقنية التي تفهم لغتنا وسياقنا وثقافتنا. ويمكن للوقف المعرفي أن يكون إحدى الأدوات المهمة لمعالجة هذه الفجوات، بشرط أن ينتقل من مستوى الفكرة العامة إلى مشروعات مؤسسية مدروسة ترتبط باحتياجات حقيقية.
وفي المملكة، تبدو الفرصة كبيرة جدا لبناء نماذج رائدة في هذا المجال، خصوصا في ظل الاهتمام بتنمية القدرات البشرية، وتعزيز دور القطاع غير الربحي، ودعم الابتكار والبحث والتطوير والتحول الرقمي. ويمكن أن يجمع الوقف المعرفي بين هذه المسارات جميعا، فيتحول إلى مساحة مشتركة تتعاون فيها الجامعات، والمؤسسات الوقفية، والشركات، والجهات الثقافية والتقنية، والباحثون وأصحاب الخبرة.
قد تنشأ أوقاف متخصصة في الترجمة، أو في المحتوى العربي، أو في تمويل أبحاث المياه والطاقة والصحة، أو في توثيق تاريخ المملكة، أو في تعليم اللغة العربية، أو في تطوير تقنيات تخدم الحج والعمرة، أو في بناء أدوات ذكاء اصطناعي تراعي اللغة والثقافة العربية. والقيمة الحقيقية هنا لا تكمن في إنشاء مشروعات كثيرة، بل في اختيار قضايا ذات أولوية، وبناء أصول معرفية قادرة على إحداث أثر طويل المدى.
لكن إعجابي بالفكرة لا يمنعني من الاعتقاد بأن نجاحها يحتاج إلى قدر كبير من الانضباط المؤسسي. فليس كل مشروع تعليمي وقفا معرفيا ناجحا، وليست كل مكتبة رقمية مؤثرة، وليست كل منصة تقنية أصلا مستداما. قد ننفق كثيرا على بناء منصة لا يستخدمها أحد، أو نجمع آلاف المواد من دون تصنيف جيد، أو نمول أبحاثا لا ترتبط باحتياجات المجتمع، أو نطلق مبادرة قوية ثم نهمل تحديثها وتشغيلها.
لذلك يحتاج الوقف المعرفي إلى رؤية واضحة، ومشكلة محددة يريد حلها، ومستفيد معروف، ونموذج مالي وتشغيلي قابل للاستمرار، وحوكمة تضمن جودة المحتوى واستقلالية القرارات وشفافية الإنفاق. كما يحتاج إلى مؤشرات تقيس أثره الحقيقي، لا حجم نشاطه فقط.
ليس المهم أن نقول إن لدينا آلاف الكتب أو مئات الدورات، بل أن نعرف: كم شخصا استفاد؟ ما المهارات التي اكتسبها؟ ما الأبحاث التي تحولت إلى حلول؟ ما المحتوى الذي أصبح مرجعا؟ ما الفجوة التي تقلصت؟ وما القيمة الاجتماعية أو الاقتصادية التي نتجت؟
كما أن الوقف المعرفي لا ينبغي أن يكون حكرا على الأثرياء أو المؤسسات الكبرى. يستطيع الكاتب أن يوقف حقوق بعض كتبه، ويستطيع الخبير أن يتيح خبرته في برامج تعليمية مفتوحة، ويستطيع المبرمج أن يسهم في بناء أداة تخدم المجتمع، وتستطيع المؤسسة الإعلامية أن تفتح جزءا من أرشيفها للباحثين، وتستطيع العائلة أن تؤسس منحة تعليمية باسم أحد أفرادها. لكل إنسان معرفة أو تجربة أو محتوى يمكن أن يتحول إلى أثر ممتد إذا أحسن تنظيمه وإتاحته.
منذ أن سمعت صديقي يتحدث عن الوقف المعرفي، وأنا أجد في الفكرة معنى جميلا يتجاوز تفاصيل المشروعات والنماذج التشغيلية. إنها تدفع الإنسان إلى أن يسأل نفسه: ما المعرفة التي أملكها ويمكن أن تبقى نافعة بعدي؟ وما الخبرة التي يمكن أن أنقلها؟ وما الأثر الذي يمكن أن يستمر حتى عندما لا أكون موجودا لإدارته؟
لطالما كان الوقف تعبيرا عن رغبة الإنسان في صناعة أثر يتجاوز عمره، والوقف المعرفي يحقق هذه الرغبة بطريقة شديدة الارتباط بعصرنا. فقد يتقادم المبنى، وتتغير قيمة الأصل، وتتبدل أشكال الاحتياج، لكن المعرفة النافعة تظل قادرة على التجدد كلما انتقلت من عقل إلى عقل، وكلما أسهمت في تعليم إنسان أو حل مشكلة أو فتح باب جديد.
ولهذا أعجبتني فكرة الوقف المعرفي. لأنها لا تقدم للإنسان ما يحتاجه اليوم فقط، بل تمنحه القدرة على مواجهة ما سيحتاجه غدا. ولا تكتفي بعلاج النتائج، بل تستثمر في العقول التي تستطيع تغيير الواقع وصناعة المستقبل.
وربما يكون أجمل ما يتركه الإنسان بعده ليس مبنى يحمل اسمه، بل فكرة تنير طريقا، أو معرفة تحرر عقلا، أو منصة تعلم جيلا، أو بحثا يحل مشكلة، أو تجربة تختصر على الآخرين سنوات من البحث والتجربة. ذلك هو الأثر الذي لا يتوقف عند صاحبه، بل يبدأ منه ويمتد بعده.
