لم يكن اختيار مكة المكرمة مكانًا لهذا المشهد تفصيلًا عابرًا بالنسبة لي. فمكة ليست مدينة تستضيف حدثًا سياسيًا وحسب، بل قبلة المسلمين وأرض الحرم ومدينة تسكن وجدان أكثر من مليار مسلم.
حين يجتمع في رحابها قادة ثلاث دول إسلامية كبرى حول اتفاق للدفاع المشترك، فإن الصورة تحمل معنى يتجاوز السياسة إلى المسؤولية والقوة والسلام. وبالنسبة لي كسعودي،
فالمملكة اليوم لا تستمد مكانتها من عنصر واحد، ولا يمكن اختزالها في النفط أو الاقتصاد أو الموقع الجغرافي أو المكانة الإسلامية أو القوة العسكرية. قيمة السعودية الحقيقية تكمن في اجتماع هذه العناصر، وفي قدرتها المتزايدة على تحويلها إلى نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي. إنها أرض الحرمين، وأحد أكبر اقتصادات المنطقة، وقوة رئيسة في أسواق الطاقة، ودولة تمتلك موقعًا استثنائيًا بين ثلاث قارات، وتقود تحولًا اقتصاديًا واجتماعيًا وصناعيًا واسعًا، وتبني في الوقت ذاته شبكة متنامية من العلاقات والشراكات الدولية.
ومن هنا تأتي أهمية التعاون مع تركيا وباكستان. فالدول الثلاث لا تتشابه في مصادر قوتها، وربما يكون هذا تحديدًا مصدر قوة الشراكة بينها. السعودية تمتلك الثقل السياسي والاقتصادي والاستثماري والمكانة العربية والإسلامية، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية ودفاعية متقدمة وخبرة كبيرة في الصناعات العسكرية والمسيّرات والسفن والإلكترونيات، فيما تمتلك باكستان كتلة بشرية وعسكرية ضخمة وخبرات عملياتية وصناعات دفاعية وقدرات استراتيجية مؤثرة. وعندما تختلف مصادر القوة بهذا الشكل، يصبح التكامل أكثر أهمية من التشابه.
فالقوة المشتركة ليست مجرد عملية حسابية نجمع فيها أعداد الجنود والطائرات والسفن والصواريخ، بل هي شبكة من المصالح والقدرات تجعل من يفكر في تهديد إحدى دولها مضطرًا إلى إعادة حساباته. هنا تحديدًا يبدأ الردع؛ ليس عند إطلاق الصاروخ الأول، وإنما قبل ذلك بكثير، في اللحظة التي يتوقف فيها الخصم ليسأل نفسه عن حجم الرد وكلفته واتساع الأطراف التي قد تدخل في المعادلة.
كما أن هذا التحول يحمل في طياته أبعادا في اقتصاديات الصناعات العسكرية وتقنياتها، وبالنسبة لي فإن هذا يعتبر أكثر أهمية من امتلاك أي منظومة عسكرية مهما بلغت قوتها؛ فالطائرات يمكن شراؤها، والمعدات يمكن استيرادها، لكن المعرفة لا تُشترى بالطريقة نفسها. القوة المستدامة تُبنى عندما تمتلك الدولة المهندس الذي يطور التقنية، والمصنع الذي ينتجها، والشركة التي تديرها، والجامعة التي تطور أجيالها القادمة، وسلسلة الإمداد التي تضمن استمرارها. عندها تتحول القوة من صفقة إلى صناعة، ومن قدرة مستوردة إلى معرفة وطنية متراكمة.
ومع كل عناصر القوة هذه، تبقى للمملكة ميزة لا يمكن قياسها بحجم الناتج المحلي أو الإنفاق العسكري أو الاحتياطيات أو عدد الطائرات. إنها أرض الحرمين الشريفين. إلى مكة والمدينة تتجه قلوب المسلمين من تركيا وباكستان ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وتحمل المملكة شرف ومسؤولية خدمة هذه المقدسات وقاصديها وحفظ أمنهم. ولهذا تجتمع في المكانة السعودية قوة الدولة ومكانة الأرض، وهي معادلة نادرة لا تستطيع الأرقام وحدها تفسيرها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في أي منظومة ردع ليس: كم تمتلك هذه الدول من الطائرات والسفن والصواريخ؟ بل: كيف تتغير حسابات من يفكر في الاعتداء عليها؟ قبل الاتفاق قد يكون السؤال: كيف سترد الدولة المستهدفة؟ أما بعد بناء منظومة حقيقية من المصالح والقدرات المشتركة، فيصبح السؤال: ما حجم القوة التي قد يوقظها هذا الاعتداء؟
ومن مكة، أرى في هذا المشهد شيئًا أكبر من اتفاق دفاعي. أرى السعودية التي أعرفها؛ أرض الحرمين وقلبًا رئيسًا للعالم الإسلامي، ودولة تبني اقتصادها وصناعتها وقدراتها وشراكاتها بثقة، وتدرك أن المكانة التاريخية مهما عظمت لا تكفي وحدها لصناعة المستقبل، وأن القوة التي ورثتها من الجغرافيا والتاريخ والثروة يجب أن تضيف إليها قوة تصنعها بأيدي أبنائها. هذه هي السعودية كدولة تريد السلام لكنها تعرف أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه، وتنفتح على العالم دون أن تتنازل عن مصالحها، وتبني شراكاتها دون أن تتخلى عن استقلال قرارها، ولا تنتظر أن يرسم الآخرون موقعها في العالم، بل تعمل كل يوم على أن ترسم هذا الموقع بنفسها.
