ليس كل ما ورثناه قيدا، وليس كل ما اعتدناه حقيقة، وليس كل ما نخشاه خطرا. وأحيانا، لا تكون الحرية في كسر القيد، بل في اكتشاف أنه لم يكن موجودا أصلا.

أعتقد بأن الأكثر إثارة للتساؤل أن هذه القناعات قد لا تكون قناعاته أصلا. فقد يكون ورثها عن محيطه، أو تشربها من تجاربه الاجتماعية، أو تبناها لأنها كانت تمثل الرأي السائد في مرحلة معينة من حياته. ثم تمر السنوات، وتتحول الأفكار التي لم يخترها بنفسه إلى حقائق يعتقد أنها غير قابلة للنقاش.

تساءلت حينها: كم من القرارات التي اتخذناها في حياتنا كانت تعبيرا صادقا عن رغباتنا وقناعاتنا؟ وكم منها اتخذناه لأن الآخرين أقنعونا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بأن هذا هو الطريق الصحيح، أو الخيار المناسب، أو السلوك المتوقع ممن هم في مثل أعمارنا ومكانتنا وظروفنا؟

منذ طفولتنا، نتعلم أن بعض الأشياء صحيحة، وأخرى خاطئة، وأن بعض الخيارات مقبولة، وأخرى مستهجنة. وهذا جزء طبيعي وضروري من عملية التنشئة الاجتماعية؛ فلا يستطيع الإنسان أن يبدأ حياته من فراغ، أو أن يعيد اكتشاف العالم وحده. نحن بحاجة إلى خبرات السابقين، وإلى المعايير التي تنظم علاقتنا بالآخرين، وإلى القيم التي تمنح مجتمعاتنا تماسكها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتوقف هذه المعايير عن كونها أدوات تساعدنا على فهم الحياة، وتصبح حدودا تمنعنا من اكتشافها.

فقد نختار تخصصا جامعيا لأن محيطنا يعتقد أنه الأفضل، أو نرفض فرصة مهنية لأن الانتقال من الاستقرار إلى المجهول يبدو غير مألوف، أو نتردد في إطلاق مشروع لأن التجارب التي يعرفها من حولنا لم تكن مشجعة. وقد نتجنب تعلم مهارة جديدة، أو زيارة مكان، أو خوض تجربة مختلفة، لا لأننا درسناها واقتنعنا بعدم ملاءمتها، بل لأن فكرة الإقدام عليها لم تكن مطروحة ضمن الخيارات التي اعتدنا التفكير فيها.

وهكذا، تتسلل القناعات إلى أذهاننا دون استئذان. لا تأتي دائما في صورة تعليمات صريحة، بل تظهر في تعبيرات عابرة، ونظرات استغراب، وتعليقات ساخرة، وتحذيرات حسنة النية، حتى تتحول بمرور الوقت إلى صوت داخلي يسبق صوتنا الشخصي.

والمفارقة أننا قد ننسى مصدر القناعة، لكننا نحتفظ بالخوف من مخالفتها.

الأمر هنا لا يتعلق فقط بالرغبة في الحصول على قبول الآخرين، بل بالخوف من فقدانه. فالإنسان كائن اجتماعي، والانتماء إلى الجماعة يمثل جزءا مهما من شعوره بالأمان. لذلك قد يبدو الاختلاف مع المحيط تهديدا أكبر من مجرد اختلاف في الرأي؛ إذ يخشى الإنسان أن يفقد مكانته، أو احترام الآخرين، أو شعوره بأنه جزء من المجموعة.

ولعل هذا يفسر لماذا يستطيع أحدنا التفكير في فكرة جديدة وهو بمفرده، ثم يتردد في التصريح بها أمام الآخرين. وما إن يكتشف أن من حوله لا يشاركونه الفكرة، حتى يبدأ في مراجعة موقفه، ليس بالضرورة لأن حججهم أقوى، بل لأن الاختلاف وحده أصبح مصدرا للقلق.

وقد أظهرت تجارب عالم النفس سولومون آش في خمسينيات القرن الماضي كيف يمكن لضغط الجماعة أن يؤثر في أحكام الأفراد حتى في مسائل بصرية واضحة. ففي إحدى تجاربه، كان المطلوب مقارنة أطوال خطوط مرسومة، لكن عددا من المشاركين قدموا إجابات خاطئة بصورة متعمدة، فوجد بعض المشاركين الحقيقيين أنفسهم أمام اختبار غير متوقع: هل يثقون بما يرونه بأعينهم أم يتبعون إجماع الآخرين؟

وإذا كان ضغط الجماعة يستطيع التأثير في أحكامنا على أطوال الخطوط، فماذا عن القرارات الأكثر تعقيدا؟ ماذا عن اختياراتنا المهنية، ونظرتنا إلى النجاح، ومواقفنا من الأفكار الجديدة، والطريقة التي نرسم بها مستقبلنا؟

وليس غريبا أن يكون التاريخ مليئا بقناعات بدت في زمانها راسخة، ثم تغيرت عندما امتلك بعض الأفراد الشجاعة والأدلة الكافية لمراجعتها.

في القرن التاسع عشر، لاحظ الطبيب المجري إغناتس زملفيس أن نسب وفيات الأمهات في أحد أقسام التوليد مرتفعة على نحو مقلق. وبعد ملاحظات ومقارنات، توصل إلى أهمية تطهير أيدي الأطباء قبل التعامل مع المريضات. وعندما طبق الإجراء، انخفضت الوفيات بصورة ملحوظة، لكن فكرته واجهت مقاومة من بعض الأوساط الطبية في زمن لم يكن فيه الفهم العلمي للعدوى قد اكتمل.

تخيل أن إجراء نعده اليوم من أبسط قواعد الرعاية الصحية واجه في مرحلة من التاريخ صعوبة في القبول، رغم النتائج التي دعمت فعاليته.

لم تكن مقاومة الفكرة مجرد عناد، فقد كانت هناك فجوات حقيقية في المعرفة الطبية آنذاك، لكن القصة توضح كيف يمكن للممارسات الراسخة والهوية المهنية وصعوبة الاعتراف بالخطأ أن تعرقل مراجعة ما اعتدنا اعتباره صحيحا.

وهذا لا يعني أن كل فكرة مخالفة للمألوف صحيحة، أو أن كل من يعترض على الإجماع يمتلك الحقيقة. فالتاريخ مليء أيضا بالأفكار الخاطئة التي حاول أصحابها تقديمها باعتبارها ثورات على السائد. لكن قيمة هذه القصص تكمن في أن الحقيقة لا تستمد صحتها من عدد المؤمنين بها، كما أن شيوع القناعة لا يعفيها من الاختبار.

وأتذكر هنا مقطعا ملهما للممثل الأمريكي ويل سميث، تحدث فيه عن تجربة القفز المظلي، وكيف عاش ليلة من القلق والخوف قبل موعد القفز. كان يتخيل باستمرار ما يمكن أن يحدث، ولم يستطع الاستمتاع بالوقت الذي سبق التجربة. ثم صعد إلى الطائرة، ووصل إلى لحظة الوقوف أمام الباب المفتوح على ارتفاع آلاف الأقدام، حيث بلغ الخوف ذروته.

لكن ما إن قفز حتى اكتشف، بحسب وصفه، أن التجربة كانت من أروع اللحظات التي عاشها. وعلق على تلك المفارقة بقوله إن الخوف يصبح في أدنى مستوياته عند اللحظة التي يبلغ فيها الخطر أقصاه. ثم طرح سؤالا لافتا: لماذا قضيت الليلة السابقة خائفا وأنا مستلق في سريري؟ ولماذا أفسدت على نفسي ساعات طويلة من القلق قبل أن أصل أصلا إلى لحظة التجربة؟

ما استوقفني في هذه القصة ليس القفز من الطائرة، ولا الدعوة إلى خوض المغامرات الخطرة، بل الفكرة التي تختبئ خلفها: كم مرة عشنا تجربة الخوف كاملة، دون أن نخوض التجربة التي نخاف منها؟

كم فرصة رفضناها لأننا تخيلنا نتائجها السلبية؟ وكم مشروعا أجلناه لأننا بالغنا في تصور الفشل؟ وكم قرارا امتنعنا عن اتخاذه لأننا افترضنا مسبقا كيف سيتفاعل الآخرون معه؟ وربما يكون أكثر ما يخيفنا في بعض الأحيان ليس الفشل نفسه، بل اكتشاف أن العالم الذي اعتدنا العيش داخله أوسع بكثير مما تصورناه.

لكن التحرر من سجن القناعات لا يعني أن نرفض كل ما تعلمناه، أو أن نتخذ الاختلاف أسلوبا دائما للحياة. فمن الخطأ أن نستبدل الخضوع الأعمى للمألوف بالخضوع الأعمى لكل ما هو جديد. وليست الشجاعة الفكرية في معارضة الجميع، بل في القدرة على الاتفاق أو الاختلاف بناء على فهم مستقل وأدلة معقولة.

كما أن المبادئ الأخلاقية الراسخة تختلف عن الأحكام الاجتماعية القابلة للمراجعة، وأن تقدير المخاطر الحقيقية يختلف عن الخضوع لمخاوف متخيلة. فبعض الحدود تحمينا، وبعضها يقيدنا، والحكمة أن نعرف الفرق بينهما.

وربما نحتاج بين حين وآخر إلى مراجعة هادئة لقناعاتنا، لا لنثبت أنها خاطئة، بل لنتأكد أننا نفهم لماذا نؤمن بها. أن نسأل أنفسنا عن مصدر الفكرة، وعن الأدلة التي تدعمها، وعن مقدار ما نعرفه فعلا مما نظن أننا نعرفه. وأن نسمح لأنفسنا بالقول: ربما كنت مخطئا، وربما تغيرت الظروف، وربما يوجد طريق آخر لم أفكر فيه من قبل.

والأهم من ذلك كله، أن نتعلم الفصل بين احترام تجارب الآخرين وبين تحويلها إلى حدود نهائية لتجاربنا نحن. فما كان مناسبا لشخص في زمان ومكان وظروف معينة قد لا يكون مناسبا لشخص آخر، وليس من الضروري أن تتحول خبرة أحدهم إلى قانون يحكم مستقبل الجميع.

عدت بذهني إلى ذلك اللقاء الذي بدأ منه هذا التساؤل، وفكرت في أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة وهو يبحث عن الحرية في ظروفه الخارجية؛ قد تكون في تحارة أفضل أو وظيفة أحسن، أو دخل أعلى، أو مدينة جديدة، بينما تظل بعض القيود الأكثر تأثيرا في حياته كامنة في طريقة تفكيره. وقد يكون أصعب ما في سجن القناعات أننا لا نشعر دائما بأننا سجناء، بل قد ندافع عن جدرانه، ونخشى الاقتراب من أبوابه، ونقنع أنفسنا أن ما يقع خارجها ليس مناسبا لنا.

ولعل السؤال الذي يستحق حقا أن نراجعه دائما ليس: كم قناعة خاطئة نحملها؟ بل: كم حياة كان يمكن أن نعيشها، وكم تجربة كان يمكن أن نخوضها، وكم فرصة كان يمكن أن نكتشفها، لولا أننا صدقنا حدودا لم نرسمها بأنفسنا؟

وأعود لما بدأت فيه هذه المقالة: ليس كل ما ورثناه قيدا، وليس كل ما اعتدناه حقيقة، وليس كل ما نخشاه خطرا. وأحيانا، لا تكون الحرية في كسر القيد، بل في اكتشاف أنه لم يكن موجودا أصلا.