ما لفت نظري أن مجموعات الإعلام والاتصال في واتساب تحولت خلال ساعات إلى مساحات نقاش جادة. بعض الزملاء كتب بحزن، وبعضهم تعامل مع القرار باعتباره نتيجة منطقية لتحولات السوق، وآخرون رأوا فيه مؤشرا على مشكلة أعمق تتعلق بمستقبل الصحافة نفسها. هذا التباين مفهوم، لأن كل واحد ينظر إلى الصحيفة من زاوية مختلفة. هناك من يراها منتجا اقتصاديا، وهناك من يراها ذاكرة مهنية، وهناك من ارتبط بها قارئا أو كاتبا أو صحفيا، وهناك من ينظر إليها باعتبارها مؤسسة لعبت دورا في صناعة الرأي العام لعقود طويلة.

مع ذلك، من المهم أن نكون دقيقين في وصف ما حدث. فجريدة «الرياض» لم تتوقف، وإنما توقفت نسختها المطبوعة وانتقلت إلى النشر الرقمي الكامل. وهنا يكون الفرق مهم جدا؛ لأن القضية ليست نهاية مؤسسة صحفية بقدر ما هي نهاية وسيلة توزيع كانت لعقود جوهر العمل الصحفي. وهذا وحده يفتح سؤالا أكبر: لماذا تراجع الورق إلى هذه الدرجة، ولماذا اختفت أرفف الصحف من السوبرماركت ومحطات الوقود والمطارات، بعد أن كانت جزءا ثابتا من المشهد اليومي؟

الإجابة تبدأ من تغير سلوك الناس. لم يعد القارئ ينتظر صباح اليوم التالي ليعرف ما حدث بالأمس. الخبر يصل إليه فور وقوعه، والتنبيه يسبقه أحيانا إلى فتح الموقع، والفيديو القصير قد يشرح له الحدث قبل أن يقرأ عنه، ومنصة اجتماعية قد تصبح نافذته الأولى للأخبار. الهاتف جمع في شاشة واحدة ما كانت الصحيفة والراديو والتلفزيون والمجلة تؤديه مجتمعة. ولذلك لم يختف القارئ، وإنما تغير مكانه وطريقته وتوقعاته.

هذا التحول ضرب النموذج الاقتصادي للصحف الورقية في أكثر من اتجاه. تكلفة الطباعة بقيت، وتكلفة التوزيع بقيت، في حين انخفضت المبيعات، وتراجعت قيمة الإعلان الورقي، وانتقلت ميزانيات إعلانية ضخمة إلى المنصات الرقمية. في الماضي، كانت الصحيفة تنتج المحتوى وتطبعه وتوزعه وتبيع الإعلان المحيط به. اليوم، قد تتحمل المؤسسة كامل تكلفة إنتاج المحتوى، ثم يقرأه الجمهور على منصة أخرى هي التي تتحكم في الوصول والإعلان والخوارزمية والبيانات.

وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات الصحافة الحديثة: الحاجة إلى الصحافة الموثوقة لم تختف، لكن قدرتها على تمويل نفسها بالطريقة القديمة تراجعت بشدة. وهذا يجعلني أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا توقفت الصحيفة الورقية؟ فهذا سؤال أصبحت إجابته شبه محسومة. السؤال الأهم هو: هل العمل الصحفي الرقمي مجرد نسخة إلكترونية من العمل الصحفي الطباعي؟ الإجابة بالتأكيد لا.

الصحيفة الورقية كانت تعمل ضمن دورة زمنية واضحة. هناك عدد سيصدر غدا، وموعد إغلاق، وصفحات محددة، ومساحات محددة، ومنطق تحريري يقوم على ترتيب المواد داخل العدد. أما الصحافة الرقمية فهي كائن مختلف تماما؛ تعمل على مدار الساعة، وتقيس كل شيء تقريبا، وتتفاعل لحظيا مع الجمهور، وتنافس عشرات الآلاف من مصادر المحتوى في اللحظة نفسها.

محرر الصحيفة الرقمية لا يكفي أن يعرف كيف يكتب خبرا جيدا، بل يحتاج إلى فهم سلوك الجمهور، ومحركات البحث، والمنصات الاجتماعية، والفيديو، والبيانات، والتحليلات، وربما أدوات الذكاء الاصطناعي. العنوان الذي كان ناجحا على رأس صفحة ورقية قد لا يكون صالحا لمحرك بحث، والصورة التي كانت تكفي في صفحة قد تحتاج إلى قصة مرئية أو فيديو قصير على الهاتف. لهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله أي مؤسسة صحفية عند الانتقال إلى العالم الرقمي هو أن تنقل عقلية الورق إلى الشاشة.

وجود نسخة PDF من الصحيفة أمر جيد لمن يحب تجربة العدد التقليدي، لكنه لا يمثل بحد ذاته تحولا رقميا. التحول الحقيقي يعني إعادة التفكير في كل شيء: طريقة إنتاج المحتوى، هيكل غرفة الأخبار، أدوار الصحفيين، علاقة المؤسسة بالجمهور، نموذج الإيرادات، أدوات القياس، وحتى معنى المنتج الصحفي نفسه.

المؤسسة الإعلامية الرقمية اليوم لا يفترض أن تنتج خبرا ومقالا فقط. يمكنها أن تنتج بودكاست، وفيديو، ونشرات بريدية، وتغطيات حية، ورسومات بيانية، وقصص بيانات، ومنتجات معرفية متخصصة، ومحتوى مصمما للهواتف، وأن تبني مجتمعات رقمية حول كتابها وموضوعاتها. بل يمكنها أن تحول أرشيفها الممتد لعقود إلى أصل رقمي شديد القيمة إذا أحسنت تنظيمه وتقديمه والاستفادة منه. وهنا أرى أن أمام جريدة «الرياض» تحديا، لكنه يحمل أيضا فرصة كبيرة.

اسم «الرياض» ليس مجرد اسم موقع إخباري جديد يدخل السوق. بل خلفه تاريخ طويل، وأرشيف ضخم، وعلامة صحفية معروفة، وشبكة من الكتاب والصحفيين، والأهم من ذلك رصيد من الثقة تراكم عبر عقود. وفي زمن الذكاء الاصطناعي والمحتوى المولد والمعلومات المضللة، قد تصبح الثقة أهم أصول المؤسسات الصحفية.

نحن مقبلون على مرحلة سيكون إنتاج المحتوى فيها أسهل من أي وقت مضى. الآلة تستطيع إنتاج آلاف الكلمات والصور ومقاطع الفيديو خلال وقت قصير، لكن معرفة ما هو صحيح وما هو غير صحيح، والوصول إلى المصدر، ووضع الحدث في سياقه، والتحقق من المعلومات، ومساءلة أصحاب القرار، وفهم ما وراء الأرقام، ستظل وظائف صحفية بالغة الأهمية.

المستقبل لذلك لا يبدو لي صراعا بين الورق والرقمي. هذا الصراع يكاد يكون قد انتهى. الصراع القادم سيكون بين المؤسسات التي نجحت في إعادة اختراع نفسها، والمؤسسات التي اكتفت بتغيير وسيلة النشر.

كما أن نموذج الإيرادات يحتاج هو الآخر إلى إعادة تفكير. الاعتماد على الإعلان وحده أصبح أكثر خطورة، والمستقبل على الأرجح سيكون لمزيج من مصادر الدخل: اشتراكات رقمية، عضويات، محتوى متخصص، فعاليات، تقارير، نشرات، بودكاست، خدمات معرفية، شراكات، ترخيص المحتوى والأرشيف، وربما منتجات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والبيانات. لكن التقنية وحدها لا تكفي.

الصحافة ينبغي ألا تفقد جوهرها وهي تتغير. إذا تحول الصحفي إلى مطارد للترند، وتحولت المؤسسة إلى حساب آخر على شبكة اجتماعية، وأصبح الهدف الوحيد هو عدد المشاهدات والنقرات، فإننا سنكون قد خسرنا أهم ما تملكه المؤسسة الصحفية: المهنية والثقة. نحتاج صحافة سريعة، لكننا نحتاج معها صحافة عميقة. نحتاج الفيديو القصير، لكننا نحتاج أيضا التحقيق الطويل. نحتاج الخوارزميات وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، لكننا نحتاج أيضا صحفيا يعرف كيف يسأل السؤال الصحيح، وكيف يتحقق، وكيف يقرأ ما وراء الخبر.

وربما لهذا كانت العبارة التي اختارتها مؤسسة اليمامة مع إعلان التحول موفقة: «تطورت الوسيلة.. وبقيت الثقة». أتمنى بالفعل أن تبقى الثقة.

أما الورق، فمن حقنا أن نحزن عليه قليلا. فأجيال كاملة عرفت الصحافة من خلاله. انتظرنا مقالات كتاب محددين، وحفظنا مواقع زواياهم، وقلبنا الصفحات بحثا عن خبر أو مقال أو صورة، واحتفظ بعضنا بقصاصات صحفية سنوات طويلة. كانت الجريدة على طاولة المنزل وفي المكتب والاستراحة والمطار، وكانت جزءا من الصباح السعودي لسنوات طويلة. ولهذا فإن توقف النسخة الورقية من جريدة «الرياض» يستحق أكثر من خبر عابر. إنه مناسبة للتفكير في تاريخ الصحافة ومستقبلها، وفي الفرق بين موت وسيلة وتطور مهنة.

وفي هذه اللحظة، تستحق «الرياض» كلمة شكر.

شكرا لجريدة «الرياض» على عقود من الإثراء الإعلامي والثقافي والمعرفي. شكرا لكل صحفي ومحرر وكاتب ومصور ومخرج ومدقق وعامل مطبعة وموزع وإداري مر بهذه المؤسسة وأسهم في صناعة صفحاتها. شكرا على أخبار وطن كامل وتفاصيل مدنه، وعلى مقالات فتحت النقاش، وصفحات ثقافية واقتصادية ورياضية ومحلية أسهمت في تشكيل ذاكرة أجيال من القراء.

وشكرا بصورة خاصة لأولئك الذين عملوا خلف الصفحات ولم يعرف القارئ أسماءهم، بينما كان أثرهم يصل إليه كل صباح. تنتهي رحلة الورق، لكن الأمل أن تبدأ رحلة أخرى أكثر اتساعا. فإذا استطاعت «الرياض» أن تحمل معها إلى العالم الرقمي أفضل ما صنع اسمها طوال العقود الماضية، وأن تضيف إليه لغة وأدوات ومنتجات تناسب قارئ المستقبل، فإننا لن نكون أمام نهاية جريدة. سنكون وقتها أمام فصل جديد في تاريخها.