ماذا سيعرف الذين سيعيشون بعدنا بقرون طويلة عن السعودية التي نعيشها اليوم؟ ماذا سيعرفون عن مدننا، ومجتمعنا، وقيادتنا، وطموحاتنا، والتحولات التي نشهدها؟ وكيف سيبدو لهم هذا الزمن عندما يتحول كل ما نراه اليوم إلى صفحات في كتب التاريخ؟

ربما يكون من الصعب علينا أن ندرك حجم اللحظة التي نعيشها، لأن الإنسان حين يعيش داخل الحدث لا يراه دائما كما سيراه من يأتي بعده. نحن نستيقظ كل صباح على الأمن والاستقرار، ونذهب إلى أعمالنا ومدارسنا وجامعاتنا ومستشفياتنا، ونستخدم طرقا ومطارات وخدمات وتقنيات أصبحت جزءا طبيعيا من حياتنا، حتى إن الاعتياد عليها قد يحجب عنا أحيانا مقدار النعمة التي نعيش فيها.

ألف نعمة تحيط بنا، تختلف في أشكالها وتتداخل في تفاصيل حياتنا: الأمن، والصحة، والتعليم، والتنمية، والرخاء، والعدل، والاستقرار، واتساع الفرص، ونمو المدن، وتطور الخدمات. وفوق ذلك كله أن يحدث هذا التطور مع المحافظة على المكتسبات الدينية والقيم والأخلاق العربية والعادات والتقاليد التي صنعت شخصية المجتمع السعودي وخصوصيته.

وحب الوطن ليس كلمات تردد في يوم واحد من العام، بل شعور بالامتنان والمسؤولية. أن تعرف قيمة ما لديك، وأن تحافظ عليه، وأن تسهم في تطويره، وأن تنقله إلى من يأتي بعدك أفضل مما وجدته.

ولعل من أعظم النعم التي من الله بها علينا نعمة هي الحكم الرشيد، وما نشأ عبر تاريخ الدولة السعودية من علاقة تقوم على القرب والثقة والانتماء بين القيادة والمجتمع. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تستمر بقوة الاقتصاد وحده، ولا بالمباني والمشروعات وحدها، بل باستقرار مؤسساتها، وعدالة أنظمتها، وثقة مجتمعها، وقدرة القيادة والناس على العمل ضمن مشروع وطني مشترك.

وعندما نعود إلى التاريخ العربي والإسلامي، نجد أن جزءا كبيرا من فهمنا للماضي جاء من الذين عاشوه ثم كتبوه لنا. إذ نقرأ اليوم عن الدولة التي نشأت في المدينة المنورة، وعن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والخلفاء الراشدين، ثم نقرأ عن الدولة الأموية وخلفائها، وعن الدولة العباسية وما شهدته من ازدهار وصراعات وتحولات، ثم عن الدول والسلطنات والإمارات التي تعاقبت على عالمنا العربي والإسلامي.

لكل منظومة حكم في التاريخ حسناتها وإنجازاتها، كما لها تحدياتها وأخطاؤها وظروفها المختلفة. لكن اللافت أن كل ذلك وصل إلينا لأن هناك من حفظه وكتبه وروى تفاصيله. كتب المؤرخون، وروى الرواة، ودون العلماء، وأنشد الشعراء، ووصف الرحالة، وحفظت المجتمعات قصصها جيلا بعد جيل. ولهذا لا نعرف فقط متى قامت دولة أو سقطت أخرى، بل نعرف أحيانا كيف كان الناس يعيشون، وكيف كانت الأسواق، وكيف كانت المدن، وما الذي كان يشغل المجتمع، وكيف كانت علاقته بالحاكم، وكيف كانت الدولة تواجه الأزمات، وكيف كانت الأفكار تتغير من عصر إلى آخر.

وهذا ما يجعلني أفكر في زماننا نحن. إذا كان الذين سبقونا قد تركوا لنا تاريخهم، فماذا سنترك نحن لمن يأتي بعدنا؟

نحن نعيش اليوم في دولة لم يمض على توحيدها سوى ستة وتسعين عاما، وامتداد تاريخي يصل لزهاء ثلاثمئة عام، ومع ذلك شهدت خلال العقود الأخيرة تحولات هائلة نقلتها من مراحل التأسيس وبناء المؤسسات إلى مرحلة جديدة من الطموح الوطني واسع النطاق. وخلال السنوات العشر الماضية تحديدا، منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، حدثت تحولات اقتصادية واجتماعية وإدارية وصحية وتعليمية وثقافية لم تكن مجرد تعديلات محدودة، بل إعادة صياغة واسعة لأجزاء كبيرة من نموذج التنمية في المملكة.

توسعت الأنشطة الاقتصادية غير النفطية، وفتحت قطاعات جديدة أمام الاستثمار والعمل، وأصبحت السياحة والترفيه والثقافة والرياضة والصناعات الجديدة أجزاء متنامية من الاقتصاد الوطني. وشهدت المدن مشروعات لم تكن قبل سنوات إلا رسومات ونماذج ومخططات، ثم بدأت تتحول إلى واقع. وفي الجانب الاجتماعي، اتسعت مشاركة المواطنين في سوق العمل، وتغيرت أنماط الحياة، ونمت قطاعات التطوع والثقافة والرياضة، وأصبح المجتمع أكثر انفتاحا على فرص جديدة مع المحافظة على جذوره وهويته.

وفي القطاع الصحي، اتجهت الدولة نحو تطوير نموذج الرعاية الصحية ورفع جودة الحياة والوقاية وتحسين كفاءة الخدمات. وفي التعليم، توسع التركيز على المهارات والمعرفة والتقنية والمواءمة مع اقتصاد المستقبل. وفي الخدمات الحكومية، انتقلت معاملات كثيرة كانت تحتاج في الماضي إلى أيام ومراجعات متعددة إلى خدمات رقمية يمكن إنجازها خلال دقائق.

هذه التحولات قد تبدو لنا اليوم طبيعية لأننا نعيشها يوما بيوم، لكن المؤرخ الذي سينظر إليها بعد مئات السنين قد يراها بصورة مختلفة تماما.

قد يتساءل: كيف استطاعت دولة أن تعيد تشكيل قطاعات كاملة خلال فترة قصيرة من تاريخها؟ كيف تغيرت مدنها؟ كيف تغير اقتصادها؟ كيف تغيرت أدوار مؤسساتها؟ كيف تعامل مجتمعها مع هذه السرعة الكبيرة في التحول؟ وكيف استطاعت أن تدخل المستقبل دون أن تتخلى عن جوهر هويتها؟ وربما يكون هذا هو الجزء الأكثر أهمية في القصة السعودية المعاصرة.

فالتنمية ليست أن نبني أكثر فقط، بل أن نبني أفضل. وليست أن نستورد نماذج الآخرين، بل أن نستفيد من تجارب العالم ونصنع في الوقت ذاته نموذجنا الخاص. وليست أن نتقدم اقتصاديا ثم نخسر ذاكرتنا الاجتماعية، بل أن نثبت أن الحداثة والهوية ليستا نقيضين بالضرورة.

إن ما شهدته السعودية خلال هذه المرحلة يستحق أن يدرس بوصفه تجربة تحول وطني كبيرة، ليس فقط في المنطقة العربية والإسلامية، بل ضمن تجارب الدول التي حاولت الانتقال باقتصاداتها ومجتمعاتها ومؤسساتها إلى نماذج أكثر تنوعا وكفاءة وقدرة على المنافسة.

لكن صنع التاريخ وحده لا يكفي. يجب أن نوثقه أيضا. فهناك فرق كبير بين أمة تصنع إنجازاتها، وأمة تصنعها وتكتب قصتها بنفسها.

نحتاج اليوم إلى أن نوثق ما يحدث حولنا بكل الوسائل الممكنة. نحتاج إلى الكتب والمذكرات والأفلام والصور والدراسات والمقابلات والأرشيفات والمشروعات البحثية والروايات الشفهية. نحتاج إلى أن يكتب الوزير والموظف والمهندس والطبيب والمعلم والطالب ورائد الأعمال والفنان والإعلامي. نحتاج إلى رواية الذين صنعوا القرار، ورواية الذين نفذوه، ورواية الذين عاشوا أثره. لأن الوثائق الرسمية ستخبر مؤرخ المستقبل ماذا حدث، لكنها لن تخبره دائما كيف شعر الناس وهم يعيشون هذه التحولات.

لن تخبره عن دهشة المواطن عندما رأى مدينة تتغير أمام عينيه. ولا عن جيل دخل وظائف لم تكن موجودة عندما ولد. ولا عن آباء شاهدوا أبناءهم يعيشون فرصا لم تكن متاحة لهم. ولا عن مجتمع انتقل خلال سنوات قليلة من مرحلة إلى أخرى بسرعة ربما لا ندرك نحن أنفسنا حجمها إلا عندما ننظر إليها من مسافة زمنية بعيدة.

ولهذا أتخيل أحيانا إنسانا يعيش في عام 3026. يفتح أرشيفا قديما ويقرأ نصا كتب في سبتمبر من عام 2026. سيقرأ أننا كنا نحتفل باليوم الوطني السادس والتسعين.

قد ينظر إلى صور الرياض وجدة والدمام ومكة والمدينة والعلا والدرعية ومدن أخرى، وقد تبدو له مبانينا وتقنياتنا كما تبدو لنا اليوم صور المدن قبل مئات السنين. قد يبتسم عندما يرى هواتفنا وسياراتنا وأجهزتنا، تماما كما ننظر نحن اليوم إلى أدوات استخدمها السابقون. لكنني لا أريد أن يعرف ذلك الإنسان عن زمننا من خلال الأشياء فقط. أريد أن يعرف أننا كنا ندرك قيمة ما نعيشه. أننا كنا نحمد الله على وطن آمن ومستقر. أننا كنا نرى في التعليم والصحة والأمن والتنمية والعدل والاستقرار نعما تستحق الشكر. أننا كنا نقدر قيادة جعلت طموح المستقبل مشروعا وطنيا. وأننا كنا نؤمن بأن الوطن ليس طرقا ومباني ومشروعات فقط، بل هو دين وهوية وقيم وذاكرة وأهل ومسؤولية تمتد من جيل إلى جيل.

أريد أن يعرف أننا لم ننظر إلى التنمية بوصفها زيادة في الأرقام فقط، بل بوصفها محاولة لبناء حياة أفضل للأجيال التي ستأتي بعدنا. وأننا فهمنا أن مسؤوليتنا ليست فقط أن نستفيد مما بناه من سبقونا، بل أن نضيف إليه شيئا يستحق أن يرثه الذين سيأتون بعدنا.

ربما لهذا يكون اليوم الوطني مناسبة مناسبة جدا لهذا السؤال. فنحن في كل عام ننظر إلى الماضي ونستذكر الرجال الذين صنعوا الدولة ووحدوا البلاد وبنوا مؤسساتها. لكن علينا في الوقت نفسه أن ننظر إلى الأمام. بعد مئة عام، ماذا سيقول أحفادنا عنا؟ وبعد خمسمئة عام، ماذا سيبقى من زمننا؟ وبعد ألف عام، ما الذي سيقرأه الناس عن السعودية التي نعيشها اليوم؟

لقد كتب السابقون تاريخا نقرأه نحن. ونحن اليوم نكتب تاريخا سيقرأه غيرنا. وقد لا يبقى أحد منا بعد قرن، فضلا عن ألف عام، لكن ما نكتبه وما نبنيه وما نوثقه قد يبقى. ولهذا فإن من تمام شكر النعمة ألا نعيشها فقط، بل أن نحدث بها، ونحفظ قصتها، وننقلها بأمانة إلى الأجيال القادمة. من باب: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.

نحن نحمد الله أننا عشنا هذه القصة واقعا، وشاهدنا فصولا منها بأعيننا، وشارك كل منا فيها من موقعه. وربما يكون من تمام الحمد أن نرويها أيضا. حتى إذا جاء قارئ بعد ألف عام وسأل: كيف كانت السعودية في ذلك الزمن؟

وجد أمامه أكثر من أرقام وصور ومبان. وجد قصة وطن. وقصة قيادة. وقصة مجتمع.

وقصة جيل أدرك في لحظة من التاريخ أنه لم يكن مجرد شاهد عليها...

بل كان واحدا ممن يكتبونها.