في الإصدار السابع عشر من الكتاب، يقدّم فيليب كوتلر وكيفن كيلر وألكسندر تشيرنيف مرجعا موسوعيا يجمع بين الأساس النظري والتطبيق العملي، ويشرح كيف تتحول الأفكار التسويقية من مفاهيم أكاديمية إلى قرارات إدارية تؤثر في المنتجات والأسعار والأسواق والتوزيع والاتصال وتجربة العميل.
من أبرز نقاط قوة الكتاب غناه الكبير بالأمثلة الواقعية من الشركات الدولية، والعلامات التجارية المعروفة، والحملات التسويقية المتنوعة. لا تُستخدم هذه الأمثلة بوصفها إضافات جانبية، بل تأتي جزءا من عملية الشرح، فتساعد القارئ على فهم كيفية تطبيق المفاهيم في السوق، وكيف تتخذ الشركات قراراتها، ولماذا تنجح بعض الاستراتيجيات بينما تفشل أخرى.
ويمتاز الكتاب كذلك بقدرته على تقديم موضوعات معقدة في شروحات مركزة ومنظمة. فهو لا يطيل لمجرد الإطالة، ولا يختصر بما يخل بالمعنى، بل يمنح كل مفهوم المساحة التي يحتاج إليها، ثم يربطه بالأدوات والنماذج والحالات العملية. وهذه ميزة مهمة في كتاب بهذا الحجم؛ إذ يستطيع القارئ العودة إلى أي فصل أو مفهوم والعثور على شرح واضح يمكن فهمه بصورة مستقلة، دون الحاجة إلى قراءة الكتاب كاملا في جلسة متصلة.
ولا يكتفي الكتاب بذكر النظريات والمفاهيم التسويقية، بل يشرح طريقة عملها، ومتى يمكن استخدامها، وما الذي يمكن أن تضيفه إلى القرار الإداري. فهو يتناول تحليل الأسواق والعملاء والمنافسين، وتحديد الشرائح المستهدفة، وبناء القيمة، وتطوير العلامات التجارية، وتصميم المنتجات والخدمات، واستراتيجيات التسعير والتوزيع والاتصال، وإدارة العلاقات مع العملاء، إلى جانب القياس والتحليل والتخطيط للمستقبل.
كما يكشف الكتاب أن التسويق لا يعمل في عزلة عن بقية وظائف المؤسسة. فالقرار التسويقي يرتبط بالاستراتيجية العامة، والتمويل، والتقنية، والعمليات، والموارد البشرية، والبحث والتطوير. ولهذا فإن إدارة التسويق لا تعني إدارة قسم التسويق فقط، بل تعني قيادة علاقة المؤسسة بالسوق والعملاء وأصحاب المصلحة.
وبالنسبة إلى المختصين في الإعلام والاتصال المؤسسي، يقدم الكتاب قيمة كبيرة تتجاوز الحدود التقليدية للتسويق. فالرسائل الاتصالية، وإدارة السمعة، وبناء الصورة الذهنية، وتصميم تجربة الجمهور، وتحديد أصحاب المصلحة، كلها ترتبط بفهم عميق للسوق والقيمة والسلوك الإنساني. وكلما ازداد المختص الاتصالي فهما لإدارة التسويق، أصبح أكثر قدرة على تحويل الاتصال من نشاط إعلامي إلى أداة استراتيجية تساهم في تحقيق أهداف المؤسسة.
إنه كتاب لا يُقرأ مرة واحدة ثم يوضع على الرف، بل مرجع يُعاد إليه عند بناء استراتيجية، أو إطلاق منتج، أو تطوير علامة تجارية، أو تصميم حملة، أو تحليل سوق، أو فهم سلوك جمهور. ولهذا أراه من الكتب التي ينبغي أن تكون جزءا أساسيا من مكتبة كل مختص في التسويق أو الإعلام أو الاتصال أو الإدارة.
وأثناء قراءة هذا الكتاب، يبرز تساؤل مشروع حول واقع الكتب العربية المتخصصة. فالمعرفة العربية لا تفتقر إلى الخبراء أو التجارب أو الأفكار، لكنها تحتاج إلى مزيد من العناية بطريقة بناء الكتب، وتقسيم موضوعاتها، وصياغة محتواها، وربط النظريات بالأمثلة، واستخدام الأشكال التوضيحية والنماذج والحالات التطبيقية.
أتمنى أن تصل الكتب العربية المتخصصة إلى مستوى مماثل من التنظيم والوضوح والعمق، لا عبر ترجمة النماذج الغربية فقط، بل من خلال إنتاج مراجع عربية أصيلة تستفيد من تجارب منطقتنا ومؤسساتنا وأسواقنا، وتقدمها بلغة علمية وعملية قادرة على المنافسة.
كتاب Marketing Management في إصداره السابع عشر ليس مجرد كتاب دراسي في التسويق، بل دليل متكامل لفهم السوق، وصناعة القيمة، وإدارة العلاقة بين المؤسسة والجمهور. وهو كتاب يذكّرنا بأن التسويق الحقيقي لا يبدأ من الإعلان، بل من الفهم، ولا ينتهي عند البيع، بل يستمر في بناء الثقة والقيمة والعلاقة طويلة الأمد.
