حتى غدا النجاح في نظر كثيرين لوحة من الأرقام والإنجازات المادية بينما يغيب تماما ما يقف خلفها من تعب وصبر ومحاولات وإخفاقات وتضحيات.

فإذا بلغ الإنسان تلك النتيجة صفق له الجميع وإذا تعثر في الطريق أو تأخر عن أقرانه أو لم يحصد ما كان يطمح إليه سارع كثيرون إلى اعتباره فاشلا أو قليل الإنجاز وكأن الرحلة كلها لا قيمة لها إذا لم تنته بالصورة التي يتخيلها المجتمع.

غير أن ميزان الله سبحانه وتعالى مختلف تماما عن موازين البشر. فالله لم يكلف الإنسان بتحقيق النتائج لأنها ليست كلها في يده وإنما كلفه بالأخذ بالأسباب وبذل الجهد وإتقان العمل وحسن التوكل عليه. ولهذا كان السعي في ذاته قيمة عظيمة وكان الاجتهاد عبادة يؤجر عليها الإنسان حتى وإن لم يبلغ ما كان يتمناه. فكم من إنسان أفنى سنوات من عمره في مشروع لم يكتمل أو في علم لم يشتهر به أو في عمل صالح لم يره الناس لكنه عند الله أدى ما عليه وبذل وسعه ولم يقصر فيما استطاع فكان بذلك من الفائزين وإن لم يصفق له أحد.

وتستوقفني هنا حقيقة علمية معروفة في الفيزياء وهي أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم وإنما تتحول من صورة إلى أخرى. وعلى سبيل التشبيه لا المساواة أجد أن الجهد الإنساني يشبه ذلك إلى حد بعيد. فالسعي الصادق لا يضيع أبدا حتى وإن لم يتحول إلى النتيجة التي كان الإنسان ينتظرها. فقد يتحول إلى خبرة لا يمكن شراؤها أو إلى بصيرة أعمق في فهم الحياة أو إلى قدرة أكبر على اتخاذ القرار أو إلى صلابة نفسية ومرونة استثنائية في مواجهة التقلبات. وربما كانت هذه الثمار الخفية أعظم أثرا وأبقى من النتيجة التي كان الإنسان يظنها غايته الأولى.

ولهذا كثيرا ما نجد أن من تأخر في الوصول خرج من رحلته أكثر نضجا واتزانا ممن وصل سريعا. فالمحاولات المتكررة والإخفاقات والخيبات ليست مجرد عوائق في الطريق بل هي جزء من عملية بناء الإنسان نفسه. إنها تعيد تشكيل شخصيته وتوسع مداركه وتجعله أكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق السعي إليه وما لا يستحق وبين النجاح الحقيقي والنجاح المؤقت. ولهذا فإن السنوات التي يقضيها الإنسان في المحاولة قد تكون هي الإنجاز الحقيقي حتى وإن لم يدرك ذلك إلا بعد زمن طويل.

وكثيرا ما نطرق أبوابا نظن أن الخير كله خلفها فنبذل من أجلها وقتنا وجهدنا ودعاءنا ثم تغلق في وجوهنا رغم كل ما قدمناه. وفي لحظة الخذلان نظن أننا خسرنا لكن الأيام كثيرا ما تكشف لنا أن ما ظنناه حرمانا كان في حقيقته رحمة وأن الباب الذي لم يفتح لنا كان يخفي ما لا يناسبنا أو أن الطريق الذي أغلق كان سيقودنا إلى ما لا نطيق. فكم من أمنية تأخر تحققها حتى جاء وقتها المناسب وكم من رغبة لم تتحقق أصلا ثم أدرك صاحبها بعد سنوات أن عدم تحققها كان من أعظم نعم الله عليه.

ولهذا أصبحت أؤمن أن الإنسان ينبغي أن يحتسب أجر السعي قبل أن ينتظر أجر النتيجة. فما دام قد أخلص النية وأحسن الأخذ بالأسباب وبذل ما يستطيع فإنه لم يخسر شيئا حتى وإن لم يصل إلى ما كان يتمناه.

فالنتائج قد تتأخر وقد تأتي بصورة مختلفة وقد تتحقق في وقت لم يكن يتوقعه وقد يعوضه الله عنها بخير لم يخطر له على بال. أما السعي الصادق فلا يضيع أبدا لأن الله وعد ألا يضيع أجر من أحسن عملا.

ولذلك لا ينبغي أن ندع هذا العالم المزدحم بالمظاهر ولا النماذج اللامعة التي تملأ الشاشات ومنصات التواصل تدفعنا إلى احتقار رحلتنا أو التقليل من قيمة ما بذلناه. فالناس يرون النهايات أما الله فيعلم تفاصيل الطريق كلها. يعلم كل محاولة لم يشهدها أحد وكل لحظة ضعف قاومتها وكل دعاء رفعته في جوف الليل وكل نية صادقة صاحبت خطواتك. وهذه التفاصيل التي لا يراها الناس هي في كثير من الأحيان أثمن ما في الرحلة كلها.

وربما لهذا السبب لسنا بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح بقدر حاجتنا إلى إعادة النظر في المقاييس التي نحاكم بها أنفسنا والآخرين. فالنجاح الحقيقي ليس مجرد الوصول إلى غاية مادية بل أن تخرج من رحلتك إنسانا أكثر حكمة وأوسع علما وأصلب عزيمة وأعمق إيمانا وأقرب إلى الله. فهذه هي الثمار التي تبقى عندما تتغير الظروف وتزول المناصب وتخفت الأضواء ويبقى للإنسان ما بناه في نفسه قبل أن يبني ما حوله.