نحمد الله في الرخاء لأن النعمة تستحق الشكر، ونحمده في الشدة لأن رحمته لا تغيب، وحكمته لا تتوقف عند حدود ما نفهمه أو ندركه. وقد يكون الحمد في أوقات السعة سهلا على اللسان، لكن صدقه الحقيقي يظهر عندما تضيق الأحوال، وتتأخر الأمنيات، وتأتي الحياة بما لم نخطط له.
في الرخاء يذكرنا الحمد بألا ننسب نجاحنا إلى قدرتنا وحدها، وألا نعتقد أن ما وصلنا إليه كان نتيجة ذكائنا أو اجتهادنا فقط. نعم، للإنسان سعيه وعمله، لكن التوفيق من الله، والفرص من الله، والصحة التي أعانته على العمل من الله، والعقل الذي اتخذ به القرار من الله. ولهذا فإن الحمد يحمي النعمة من الغرور، ويجعل النجاح بابا للتواضع لا سببا للتكبر.
أما في الشدة فإن الحمد لا يعني إنكار الألم، ولا تجاهل الحزن، ولا الادعاء بأن الإنسان لا يتأثر. بل يعني أن يبقى القلب متصلا بالله رغم التعب، وأن يوقن الإنسان بأن ما أصابه لم يخرج عن علم الله ورحمته وتقديره. قد يحزن المؤمن، وقد تدمع عينه، وقد يضيق صدره، لكنه لا يفقد ثقته بربه، ولا يظن أن أبواب الخير قد أغلقت إلى الأبد.
كم من محنة بدت في بدايتها نهاية، ثم اكتشف الإنسان بعد سنوات أنها كانت بداية جديدة. وكم من أمر ألححنا في طلبه، ثم حمدنا الله لاحقا لأنه لم يحدث. وكم من طريق أغلق أمامنا فحزنّا، ثم وجدنا أن الله صرفنا عنه إلى طريق أكثر أمنا وخيرا وبركة.
إننا لا نعرف الصورة كاملة. نرى اللحظة، ويرى الله ما قبلها وما بعدها. نتعلق بما نحب، ويعلم الله ما يصلحنا. نستعجل الإجابة، ويعلم الله الوقت الأنسب لها. ولهذا يصبح الحمد في الشدة تعبيرا عن الثقة قبل أن يكون وصفا للواقع؛ ثقة بأن تدبير الله أعظم من فهمنا، وأن رحمته أوسع من مخاوفنا، وأن اختياره لنا خير من اختيارنا لأنفسنا.
يقول الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. وهذه الآية تفتح أمام الإنسان أفقا واسعا للتأمل؛ فالنعم ليست فقط في المال والنجاح والصحة، بل في أشياء اعتدنا وجودها حتى نسينا قيمتها: في القدرة على التنفس، وفي النوم الآمن، وفي الأهل والأصدقاء، وفي العقل والسمع والبصر، وفي فرصة البدء من جديد، وفي ستر الله الذي يحيط بنا دون أن نشعر.
بل إن بعض النعم لا نعرف أنها نعم إلا عندما نفقدها، وبعضها يأتي في صورة منع أو تأخير أو تغيير. قد تكون النعمة في أن يصرف الله عنا أمرا أحببناه، أو يكشف لنا حقيقة شخص وثقنا به، أو يخرجنا من مكان اعتدنا عليه، أو يوقظنا بأزمة تعيد ترتيب أولوياتنا وتعيدنا إليه.
الحمد يعيد تشكيل نظرتنا إلى الحياة. فبدلا من أن ننظر باستمرار إلى ما ينقصنا، نلتفت إلى ما نملكه. وبدلا من مقارنة أنفسنا بالآخرين، ندرك خصوصية رحلتنا. وبدلا من أن تتحول الأمنيات المؤجلة إلى مصدر دائم للسخط، نتعامل معها برجاء هادئ وسعي متزن وتسليم مطمئن.
ومن أعظم نعم الحمد أنه يريح القلب من الصراع مع الأقدار. فالإنسان الذي يعيش ساخطا لا يستمتع بما لديه لأنه مشغول دائما بما ليس لديه. أما الحامد فلا يعني ذلك أنه بلا طموح، لكنه يسعى من موقع الرضا ويعمل دون أن يجعل سعادته معلقة على نتيجة واحدة، ويؤمن بأن الخير قد يأتي بالصورة التي يريدها، أو بصورة أخرى لم تخطر له على بال.
ولذلك جاء الوعد الإلهي واضحا: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. والزيادة لا تكون دائما في المال أو الممتلكات، فقد تكون في البركة، أو الطمأنينة، أو القناعة، أو وضوح الرؤية، أو سلامة القلب. وقد يملك الإنسان القليل لكنه يشعر بالغنى، بينما يملك غيره الكثير ولا يتوقف عن الإحساس بالنقص.
إن الحمد يحتاج إلى تدريب يومي كأن يبدأ الإنسان صباحه باستحضار نعم الله، وأن يتوقف وسط انشغاله ليرى ما حوله بعين الامتنان، وأن يختم يومه متذكرا ما مر به من لطف وستر وتيسير. وحين يقع ما يؤلمه، لا يمنع نفسه من الحزن، لكنه يقول بقلب مؤمن: الحمد لله على كل حال، والحمد لله حتى يرضى، والحمد لله بعد الرضا.
الحمد في الرخاء وفاء، وفي الشدة يقين. في النجاح تواضع، وفي التعثر ثبات. في العطاء شكر، وفي المنع ثقة. وهو ليس مجرد كلمة على اللسان، بل حالة يعيش بها الإنسان بين الرجاء والرضا، وبين السعي والتسليم.
ومن عاش بالحمد أدرك أن حياته لم تكن خالية من النعم يوما، حتى في أكثر أيامها صعوبة. فقد تكون النعمة أحيانا في الشيء الذي أُعطي لنا، وأحيانا في الشيء الذي مُنع عنا، وأحيانا في القوة التي وضعها الله في قلوبنا لنتجاوز ما ظننا أننا لن نستطيع تجاوزه.
فالحمد لله على ما عرفنا من نعمه، والحمد لله على ما لم نعرف. الحمد لله على ما أعطى، وعلى ما منع، وعلى ما عجّل، وعلى ما أخّر. الحمد لله في الرخاء حين تبتسم الحياة، والحمد لله في الشدة حين لا نرى الطريق بوضوح؛ لأننا وإن لم نعرف إلى أين تقودنا الأقدار، فإننا نعرف من يدبرها، ونثق بأن تدبيره كله رحمة وحكمة وخير.
