الأوديسة في أصلها واحدة من أعظم الملاحم الشعرية في التاريخ. تنسب إلى هوميروس وتحكي رحلة أوديسيوس في طريق عودته إلى وطنه بعد حرب طروادة. رحلة تمتزج فيها الأسطورة بالشجاعة والخسارة والوفاء والحنين إلى الوطن. وقد نجح كريستوفر نولان في تحويل هذه القصيدة الخالدة إلى عمل بصري ضخم يحافظ على روحها ويمنحها إيقاعا معاصرا.
نولان في رأيي ليس مجرد مخرج بل مهندس يبني عالما كاملا بكل تفاصيله. وقد ظهرت هذه العبقرية في أعماله السابقة مثل Interstellar وOppenheimer كما ظهرت هنا بصورة أكثر اتساعا. فهو لا يقدم قصة فقط بل يصنع تجربة تتكامل فيها الصورة والموسيقى والتمثيل والصوت لخدمة رؤية واحدة.
قدم مات ديمون أداء قويا في شخصية أوديسيوس. لم يظهره بطلا أسطوريا بلا ضعف بل إنسانا يحمل ثقل الحرب والقيادة والحنين إلى أسرته ووطنه. وكان حضوره قائما على تعبيرات الوجه ولغة الجسد أكثر من الانفعالات المبالغ فيها وهو ما منح الشخصية عمقا وقربا من المشاهد.
المؤثرات الصوتية كانت من أقوى عناصر الفيلم. أصوات البحر والرياح والمعارك جعلتني أشعر أنني حاضر داخل المشهد. كما جاءت الموسيقى التصويرية متناغمة مع الصورة والقصة والتمثيل بصورة رفعت الإحساس الملحمي في كل لحظة.
أما مواقع التصوير فكانت أحد أبطال العمل الحقيقيين. الشواطئ والجبال والكهوف والقلاع والمناظر المفتوحة لم تكن مجرد خلفيات جميلة بل جزءا من الحكاية نفسها. وفي بعض المشاهد كانت الصورة وحدها تكفي لرواية ما لا يحتاج إلى حوار.
قرأت بعد الفيلم أن تكلفته تجاوزت 250 مليون دولار وما زلت أرى أن الرقم مبالغ فيه. لكنني أفهم فلسفة نولان في تقليل الاعتماد على الشاشات الخضراء والتصوير في مواقع حقيقية واستخدام المؤثرات العملية لأن ذلك يمنح الصورة ثقلا وصدقا يصعب تقليده رقميا.
وبقيت لدي ملاحظة شخصية تتعلق باللهجة. فقد اعتدنا في كثير من الأفلام التاريخية الناطقة بالإنجليزية على اللهجة البريطانية ولذلك بدا استخدام اللهجة الأمريكية مستغربا بالنسبة لي في البداية. ولا أعد ذلك عيبا بقدر ما هو تفضيل شخصي تشكل من مشاهدة الأعمال التاريخية السابقة.
في النهاية شعرت أنني لم أشاهد مجرد فيلم بل عشت تجربة سينمائية متكاملة. قصيدة خيالية خالدة تحولت إلى عمل بصري مذهل يجمع بين الأدب والأسطورة والتمثيل والموسيقى والصورة. وبالنسبة لي قد يكون الأوديسة واحدا من أعظم أفلام القرن الحادي والعشرين.
