مع كثرة الضجيج بدأ كثيرون يخلطون بين الحركة والإنجاز وبين الصوت والتأثير وبين السرعة والتقدم. فإذا كان الشخص منشغلا طوال الوقت اعتبر منتجا وإذا كان كثير الحديث عد مؤثرا وإذا كان سريع الاستجابة ظن الناس أنه أكثر كفاءة. لكن الحياة تعلمنا مع مرور الأيام أن أكثر القرارات حكمة لا تولد في الضجيج وأن أكثر الأفكار عمقا لا تخرج من عقل مشتت وأن أكثر الشخصيات تأثيرا ليست بالضرورة أكثرها حديثا.
الهدوء ليس غياب الأصوات فحسب بل هو حالة من الاتزان الداخلي. قد يجلس الإنسان في مكان يعج بالناس ويشعر براحة عميقة لأنه استطاع أن يحافظ على هدوئه. وقد يكون وحده في غرفة مغلقة بينما تضج الأفكار في رأسه فلا يعرف للسكون طريقا. ولهذا فإن الهدوء الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الخارج.
ومع التقدم في العمر يكتشف الإنسان أن كثيرا من المعارك التي خاضها لم تكن تستحق أن يخوضها وأن كثيرا من الكلمات التي قالها كان يمكن أن يستغني عنها وأن كثيرا من ردود الأفعال التي ظنها ضرورية لم تغير شيئا في النهاية. فيتعلم بالتدريج أن ليس كل رأي يحتاج إلى رد وليس كل خلاف يستحق أن يتحول إلى خصومة وليس كل استفزاز يستحق أن يمنحه من وقته وراحته.
ولعل أجمل ما يمنحه الهدوء للإنسان أنه يعيد إليه وضوح الرؤية. فعندما تهدأ النفس تصبح أكثر قدرة على التمييز بين المشكلة الحقيقية والقلق العابر وبين القرار الذي يحتاج إلى حسم والقرار الذي يحتاج إلى مزيد من الوقت. ولهذا نجد أن كبار القادة في التاريخ لم يعرفوا بكثرة انفعالهم بل بقدرتهم على الحفاظ على توازنهم في أصعب اللحظات. فالقائد الذي يفقد هدوءه مع أول أزمة يفقد معه جزءا كبيرا من قدرته على القيادة.
وليس الهدوء ضعفا كما يظنه بعض الناس. فالانفعال سهل أما ضبط النفس فيحتاج إلى قوة. ومن يرفع صوته يستطيع أن يفرض حضوره للحظات لكن من يملك هدوءه يفرض احترامه لسنوات. ولهذا كان الحلم وضبط النفس من أعظم الصفات التي امتدحتها العرب قبل الإسلام وبعده وجعلها الإسلام من مكارم الأخلاق. قال تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾. فليس المقصود أن يخلو الإنسان من الغضب وإنما أن يملك نفسه عندما يغضب.
ويشير علماء النفس إلى أن العقل في حالات التوتر الشديد يميل إلى اتخاذ قرارات أسرع لكنها ليست بالضرورة أفضل. أما عندما ينخفض مستوى التوتر ويستعيد الإنسان هدوءه فإن قدرته على التحليل والموازنة واتخاذ القرار تتحسن بصورة ملحوظة. ولهذا ينصح كثير من الخبراء بعدم اتخاذ القرارات المصيرية في لحظات الغضب أو الخوف أو الحماس المفرط لأن المشاعر القوية قد تحجب عنا جزءا من الصورة.
ولا يعني الهدوء أن يعيش الإنسان بعيدا عن الناس أو أن يتخلى عن طموحه أو أن يصبح بطيئا في عمله. بل على العكس قد يكون أكثر الناس إنجازا هو أكثرهم هدوءا لأنه لا يهدر طاقته في صراعات جانبية ولا يستهلك وقته في الرد على كل ما يقال ولا يسمح لكل حدث عابر أن يغير مساره. إنه يعرف ما يريد ولذلك لا يتوقف عند كل ما لا يريده.
وقد لاحظت أن الإنسان كلما اتسعت خبرته أصبح أقل استعجالا في إصدار الأحكام. فالمعرفة تمنحه تواضعا والتجارب تعلمه أن الحقيقة غالبا أكبر مما يبدو في لحظتها. ولذلك فإن الهدوء ليس نتيجة فراغ بل نتيجة نضج. إنه ثمرة سنوات من التعلم ومن رؤية الحياة من زوايا متعددة ومن إدراك أن كثيرا من الأمور التي كانت تبدو مصيرية في الماضي لم تعد تستحق كل ذلك القلق.
ومن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لنفسه في هذا العصر أن يمنحها مساحة من الهدوء كل يوم. دقائق يبتعد فيها عن الشاشات وعن الإشعارات وعن ضجيج العالم ليعيد ترتيب أفكاره ويستمع إلى نفسه ويقرأ أو يتأمل أو يدعو الله. ففي تلك اللحظات الهادئة تولد أحيانا أفضل الأفكار وتصفو الرؤية ويستعيد القلب طمأنينته.
ولعل الهدوء في النهاية ليس مهارة نتعلمها بقدر ما هو أسلوب حياة نختاره. فالعالم سيبقى صاخبا والأحداث لن تتوقف والاختلاف بين الناس سيظل قائما. لكن الإنسان يملك دائما أن يختار الطريقة التي يستجيب بها لكل ذلك. وقد لا نستطيع أن نجعل العالم أكثر هدوءا لكننا نستطيع أن نجعل داخلنا أكثر سكينة. وربما تكون هذه واحدة من أعظم صور النجاح التي لا يراها الناس لكنها تغير حياة صاحبها كل يوم.
