لا أذكر مرور أسبوع خلال الثلاثين عاما الماضية من دون أن ألعب الشطرنج ولو إلكترونيا، أو أتابع مباراة، أو أتأمل وضعية على الرقعة. أصبحت اللعبة جزءا ثابتا من يومي، ورفيقا ذهنيا أعود إليه مهما تعددت مشاغل الحياة. لم تعد بالنسبة إلي مجرد هواية، بل مدرسة في التفكير والصبر والتوقيت وتحمل نتائج القرار.

في الشطرنج لا يكفي أن تفكر في خطتك، بل يجب أن تفهم ما يريده منافسك، وأن تنظر إلى الموقف من زاويته أيضا. هذه القدرة على قراءة الآخرين، وتقدير ردود أفعالهم، واستباق خطواتهم، من أهم مهارات القيادة والعمل والحياة.

كما تعلمنا اللعبة أن الصبر قوة، وأن النتائج الكبرى لا تتحقق دائما بالهجوم السريع. أحيانا يحتاج اللاعب إلى تحسين موقعه بهدوء، وانتظار التوقيت المناسب، وعدم الانجراف خلف مكسب عاجل. لكن الصبر لا يعني التردد، فالوقت في الشطرنج مورد حاسم، وقد يخسر اللاعب موقفا ممتازا لأنه تأخر في اتخاذ القرار.

ولا توجد على الرقعة قطعة بلا قيمة. لكل قطعة دور، وحتى البيدق، أضعف القطع ظاهريا، يمكنه أن يصل إلى نهاية الرقعة ويتحول إلى أقوى قطعة. وهذه صورة بليغة عن الإنسان؛ فالبداية لا تحدد النهاية، والقيمة لا تأتي من القوة الفردية وحدها، بل من الموقع والتكامل والعمل مع الآخرين.

وتعلمنا الشطرنج أن التضحية ليست دائما خسارة. فقد يتخلى اللاعب عن قطعة ليكسب موقعا أفضل أو يفتح طريقا للهجوم. وكذلك الحياة؛ فبعض الأهداف تحتاج إلى التخلي عن الراحة أو المكاسب المؤقتة. لكن التضحية الذكية تختلف عن التهور، إذ يجب أن نعرف لماذا ندفع الثمن وما الذي نريد تحقيقه.

ومن أعمق دروس الشطرنج أيضا القدرة على تغيير الخطة. ففي كل مباراة قد يكتشف اللاعب أن خطته الأولى لم تعد مناسبة، وأن عليه التراجع أو إعادة التموضع. التمسك بخطة فاشلة ليس ثباتا، بل خطأ يتضاعف. وفي الحياة، قد يكون تعديل المسار أكثر حكمة من الاستمرار فيه لمجرد أننا بدأناه.

وكانت تجربتي مع الاتحاد السعودي للشطرنج امتدادا مهما لهذه العلاقة الطويلة مع اللعبة. فقد منحتني البيئة المنظمة فرصة الالتقاء بلاعبين مختلفين، والمشاركة في منافسات تعزز الانضباط واحترام القواعد والمنافس، وتكشف المستوى الحقيقي للاعب بعيدا عن اللعب الفردي أو الرقمي.

كما أن وجود اتحاد رسمي يسهم في توسيع انتشار اللعبة، وتنظيم البطولات، واكتشاف المواهب، وبناء مجتمع شطرنجي أكثر نضجا. وأرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حضور أكبر للشطرنج في المدارس والجامعات والأندية، وتطوير البطولات الرقمية، وبرامج التدريب، واكتشاف المواهب منذ الصغر.

بعد ثلاثين عاما من اللعب، أدركت أن الشطرنج لا تدرب العقل وحده، بل تدرب المشاعر أيضا. تعلم اللاعب كيف يبقى هادئا تحت الضغط، وكيف يتعامل مع الخطأ من دون أن يحوله إلى سلسلة من الأخطاء، وكيف يقبل الخسارة، ثم يعود إلى الرقعة من جديد.

وربما لهذا استمرت الشطرنج معي كل هذه السنوات. فهي تذكرني دائما بأنني لا أستطيع التحكم في كل ما يحدث على الرقعة، لأن الطرف الآخر يملك خطته وإرادته، لكنني أستطيع التحكم في حركتي التالية.

وأحيانا، تكون الحركة التالية هي كل ما نحتاج إليه لتغيير مسار المباراة والحياة معا.